13 يناير 2016

الفيلم الوثائقي الذي قد يحوّلك للنظام الغذائي النباتي بالكامل (Forks over Knives)




عادةً لما بكتشف حاجة جديدة أو لما ببدأ أهتم بحاجة جديدة, بحب أشارك فيها كل الناس عن طريق الفيسبوك أو التدوين أو الكتابة, حتى لو كنت عارفة أن الموضوع مش رح يهم غير أربع خمس أشخاص بالكتير..

اكتشافي الي بحكيلكم عنه اليوم هو اكتشاف العُمر بالنسبة لي, عالم ما كنتش أعرف عنه حاجة, أو كنت لما بسمع عنه بفكر أن الناس الفافي أو الفاضيين بزيادة هما اللي بيعملوه, بمعنى أدق فكرة وجود "النباتيين" بالحياة كانت فكرة فوْقية كدة وليست ذات ضرورة حقيقية, ناس مشاعرها رهيّفة لدرجة انهم يا حرام بيحزنوا لعذاب الحيوانات , ما كنتش بحاول أعرف الدوفع الي ممكن تخلي حد يستغني تماما عن المنتجات الحيوانية, غير حب الإختلاف والتميّز عن السائد وما شابه ذلك..

ولكن اتضّح أن الموضوع كبيييير, واتضح انو فعليا احنا الخسرانين لما بناكل الحيوانات, مش العكس.

بشارك معاكم في هاذا البوست, رابط لفيلم وثائقي اسمه "Forks over Knives" (هو طبعا بمصاري بس ما ما علينا من حماية الحقوق الفكرية في هذه المرحلة)

الفيلم رسالته وترويجه لفكرة واحدة, وهي أن أغلب أمراض السنوات الـ100 الاخيرة من عُمر البشرية, كأمراض القلب والجلطات والسكر والضغط والسرطان والبدانة, ما هي إلا نتيجة مباشرة لتناول اللحوم والمنتجات الحيوانية.
الأجيال الجديدة ظهرت فيها أمراض ما كانت موجودة عند أسلافها, مرض السر والبدانة لدى الأطفال أصبحت أمور شائعة, والنسب مرعبة.
الإنسان بالأساس كائن نباتي, حوّلته الثورة الصناعية إلى مستهلك مستمر للبروتين الحيواني فيما هو عكس احتياج جسمه الفعلي.
البروتين والكالسيوم والحديد وغيرها من المواد الأساسية التي يحتاجها الجسم متوفرة في النباتات, بل وأحيانا بنسب تزيد عن اللحوم ..

الممنوعات تشمل: 
- اللحوم الحمراء والبيضاء والدجاج والأسماك والبيض والحليب والأجبان..
في حين أن المسموحات تشمل:
- الخضار والفواكه
- البقوليات (زي الفول, الحمص , الصويا والفاصوليا)
- الحبوب (زي الأرز ,البرغل ,القمح والكينوا) وبالتالي المكرونة كمان
- البذور (زي السمسم ,حبة البركة ,بذر عباد الشمس والشيا)
- المسكرات (الجوز واللوز والفستق)
يعني ماشاء الله فيه أكل كتير ربنا خلقه من الأرض وفيه من الخير ألوان..

الفيلم يحتوي على تجارب علمية حقيقية, وحالات مرضى تبنّوا نظام الأكل النباتي كنظام حياة (اسمه الكامل Whole Food Plant-Based Diet), وبعضها شفيت تماماً من أمراض السرطان والضغط وغيرها, ناهيكم عن انقاص الوزن, وتحسّن المزاج والطاقة والبشرة.

الفكرة صعبة الاستيعاب بالبداية, وبعض الجزئيات في الفيلم صادمة وبتهدّ كل الأساسات الي اتعلمناها من واحنا صغار .. من أول "يا أطفال يا حلوين اشربوا الحليب" ودروس الهرم الغذائي والعناصر الغذائية الي درسناها بالمدرسة.. لغاية فكرة أن الطبخ بدون لحمة "الأورديحي" عيب أو بخل أو فَقر .. ويبدو أن كل هادا كان وراه تحالف بين قوى الصناعة والتغذية ومزارع الألبان الخ الخ

أنا ما رح أقعد انظر كتير عن الموضوع لأني أصلا في مرحلة الدراسة والمزيد من القراءة والاكتشاف عن هادا العالم, بس ما قدرتش اني أشوف فيلم مثير للاهتمام بالنسبة لي, ومؤثر بأفكاري لدرجة كبيرة, وما أكتب عنه ولا أحكي لحد عليه.

الفيلم مدته ساعة ونصف تقريبا, شوفوه وشاركوني في هذا الاكتشاف العظيم.

- رابط الفيلم: http://goo.gl/itF57e, وهحاول أشوف له نسخة مترجمة
- أسئلة وإجابات عن النظام النباتي, من صفحة الكاتب الساخر/ مصطفى حلمي: https://goo.gl/6ZkfYn
- الموقع الخاص بالفيلم ومليان معلومات ووصفات http://www.forksoverknives.com/


Blogger Tricks

23 سبتمبر 2015

السرّ وراء أمير عنان, أخي الذي رحل




بين ليلة وضحاها, أصبح أخي أمير حيدر عنان الشخصية الأشهر في عالم التواصل الإجتماعي في قطاع غزة, وأصبح خبر وفاته عن عُمر 24 عاماً هو الأبرز على صفحات النشطاء والأصدقاء, الذين حاول كل منهم أن ينعيه بطريقته, ويذكر محاسنه ومآثره, عزيمته وإصراره وطموحه. نعَتهُ الصحافة المحلية, التي كانت قد لقّبته بـ "ستيفن هوكينج الفلسطيني", وعنونتْ إحدى الصحف: وفاة مبدع فلسطيني بعد صراعٍ مع المرض.

أشكُّ في قدرتي على التعبير بكلماتٍ أفضل من كل الناعين الذين كتبوا عن أمير, ورأوا فيه صفاتاً, نعم كنّا –بحكم كوّننا أبناء بيتٍ واحد- نعلم أنها موجودةٌ فيه, ولكنها لم تكن بهذا القدر من الإكبار والإعجاب الذي جاء في سطور كتبها أصدقاء أمير ومعارفه, البعيد منهم قبل القريب. لا أدري, هل يستطيع عادةً البعيدون عن الجوهرة أن يشعروا بقيمتها أكثر ممن هي في حوزتهم؟
في إحدى المحادثات الأخيرة التي جمعت بيني وبين أمير ووالدي, قلتُ لهم أنني أريد أن أعود للكتابة, وأخبرتُهم عن بعض الأفكار التي راودتني كخطوطٍ عريضة للرواية التي طالما تحدثتُ عن رغبتي بكتابتها. يرن الآن في أذني طلبُ والدي وهو جالس بجوار سريره: أكتبي عن أمير.

أتعلمُ يا أبي, سيكون للحديث عن إنجازات أمير وأعماله الإبداعية جلسةٌ أخرى. سأكتب اليوم عن أمرٍ مختلف, لأن هناك جنديان مجهولان لم ينالا بعدُ حقّهما من الوصفِ والكتابة. سأكتب عنكما يا أبي العزيز, أنت وأمي.

-----------

أبي وأمي يا سادة هما السرُ وراء تميّز أخي, وهما من غرس فيه وفينا حب العلم والمثابرة والإجتهاد.

والدي أ.د. حيدر سليم عنان, عالِمٌ رفيع المستوى, لا يكل ولا يمل من العلم. تخرّجتْ على يده أجيالٌ وأجيال من الطلاب والطالبات خلال مسيرته العلمية في جامعة عين شمس بالقاهرة, وجامعة الإمارات بمدينة العين, وجامعات الإسلامية والأزهر والقدس المفتوحة في غزة. تجاوز عدد أبحاثه ومنشوراته العلمية السبعين. ورغم وصوله لأعلى الدرجات الأكاديمية "الأستاذية", إلا أنه إلى الآن لا يتوقف عن البحث والكتابة ومراسلة المجلات العلمية العربية والأوروبية والأمريكية, بل أنني أجزم أنه يكون في أسعد حالاته النفسية والمعنوية, ويضئ وجهه وعينيه عندما يتم نشر بحثٍ جديد بإسمه في مجلة علمية مرموقة, هنا أو هناك.

أقول لكم أنه لم ينلْ ما يستحقّه من التكريم والشهرة التي تليق بمكانته العلمية, ربما لأن مجاله, علم الجيولوجيا, لم يكن مجالاً شائعاً أو ذا أهمية بالنسبة للكثيرين. لكن والدي كان محباً وشغوفاً بهذا العلم الذي يجعله يتعمق في خلق الله, وهو دائم الترديد للآية الكريمة من سورة آل عمران: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.

والدي عمل على إنشاء مكتبة كبيرة في بيتنا, ووجودها كان يشجعنا جميعاً على اكتساب عادة القراءة والإطلاع منذ الصغر. كان يمثّل هو ووالدتي –التي سأخبركم عنها بعد قليل- لي ولإخوتي مثلاً أعلى وقدوة نسعى للإحتذاء بهما في سنيّ حياتنا التعليمية, ولذلك كان أمر الحصول على معدلات دراسية مرتفعة أمراً متوقعاً وبديهياً, بل هو الواجب والطبيعي لكل إنسان.

والدي زرع فينا حب التميّز, والثقة بالنفس, والرغبة في ترك بصمة في الحياة. يعلمُ علمَ اليقين أن أبحاثه العلمية المستمرة, وكتبه التي يعمل على تأليفها, -وإن كانت بلا مردود مادي- تقع تحت بند "علمٌ يُنتفعُ به", وأعتقد أن أمير كان الأنجح فينا في العمل بهذه المبادئ في حياته القصيرة.

والدي لم يُمانع سفري –كفتاة عازبة- لبلد أوروبي في سبيل الحصول على درجة الماجستير في هندسة الحاسوب, بل كان هو المحرّك الأساسي لحصولي على منحة دراسية بمجرد حصولي على درجة البكالوريوس. وكذلك فعلتْ أختي د. هدى التي حصلتْ بدورها على درجة الماجستير في الصحة العامة. كانت تربيته لي ولأختي قائمة على مبدأ واحد: العلمُ فضيلة وسلاح في يد البنت, أما الزواج باكراً فهو أمرٌ لا يعوّل عليه.

في السنوات الأخيرة من عُمر أمير, وخاصة تلك التي تلَت وفاة أخي المرحوم بإذن الله سليم عام 2008, عمل والدي على تسخير كل جهده المادي والمعنوي في التركيز على تلبية طلبات أمير, ومجاراته في رغبته الدائمة في الحركة بحريّة وعيش حياته بصورة طبيعية, ما أمكن ذلك. وهُنا لابد أن أذكر أن أخي سليم, الذي توفي في التاسعة عشرة من عمره, لم يكُن يقلّ مثابرة واجتهاداً عن أمير, وإن كان أكثر هدوءاً وأقل اجتماعيةً منه. لقد كان سليم متفوقاً في دراسته وحصل على معدل مشرّف في الثانوية العامة, واختار أن يدخل كلية الدراسات الإسلامية, وكان الأول على دفعته في العاميْن الدراسييْن الذي قضاهما في الكلية قبل أن يتوفّاه الله.

أما والدتي, أستاذة العلوم, ومديرة المدرسة أ.كريمة مهدي عنان, فهي حكاية لوحدها. بموضوعية شديدة وبغض النظر عن حبي وتقديري لها كأمي, هي امرأة عظيمة ذات عقل وقلب كبيرين, قلّ أن تجد لهما مثيلا.

لقد تحمّلت أمي الكثير في سبيل رعاية ولديْن من ذوي الإحتياجات الخاصة, وكانت لهما بمثابة الممرضة والمربية والحاضنة والصديقة. لم يمنعها ألمُها على المستوى العائلي من أن تكمل تعليمها وتطور مهاراتها لتحسين وضعها المهني عاماً بعد آخر. لديها جَلَد وحب للدراسة والتحصيل العلمي, أو كما كنا نحب أن نداعبها أحيانا بوصفها بـ"الدحّاحة" عندما يكون لديها امتحان قادم أو مقابلة وظيفية تتطلب بعض الاستذكار.

هي إبنة الأستاذ مهدي عبد الرحمن عنان رحمه الله, المدير الأسبق لدائرة التعليم بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا), وهو الآخر كان أباً محباً للعلم والتعليم, وحرصَ أن يحصل أبناؤه -وكريماته بالتحديد- على الشهادة العلمية الأعلى التي كانت متاحة في قطاع غزة في ذلك الوقت: دبلوم المعلمات. أمي حصلتْ على هذه الدرجة وعملت كمعلمة قبل زواجها, ثم استكملت تعليمها للحصول على درجة البكالوريوس بعد سنوات عديدة من توقفها عن الدراسة. عملتْ لعدد محدود من السنوات كمعلمة ابتدائي في مادتيْ العلوم والرياضيات, ثم طمحت لأن تصبح مديرة, وهو أمر يتطلب مذاكرة منهاج خاص والدخول في امتحانات ترقية ومقابلات شديدة المنافسة. وحققت فعلا ما كانت تصبو إليه, وهي الآن من بين المديرات الأكثر تميزاً ونشاطاً بشهادة الكثيرين, ودائماً ما تبادر بأنشطة تطوعية لخدمة المجتمع, منها على سبيل المثال إطلاقها حملة تطوعية لمحو أمية أمهات الطلاب والطالبات في مدرستها.

حققتْ أمي كل هذا في خط موازٍ مع كل الصعوبات والضغوط النفسية التي صاحبت مرض ابنيْها, ووجدتْ في العمل والطموح المهني السلوى والمهرب المشروع من الوقوع في فخ الفراغ والحزن والتحسّر على مصائب الزمان ومصاعب الحياة.

-------------

إن كان هناك درسٌ مستفادٌ من كل ما سبق, فهو يتلخص في كلمة واحدة: أهمية التعليم والثقافة. وهنا لا يقتصر التعليم الذي أقصده على التحصيل الدراسي والدرجات النهائية. إننا بحاجة لأن نزرع في أبنائنا حب القراءة والقدرة على التفكير النقدي, والإبداع في حل المشكلات, والدفاع عن الحقوق, والإستفادة من تجارب الآخرين, وأن نغرس فيهم حب التميّز والمثابرة و"المعافرة" مع الدنيا مهما كانت الصعوبات.

إن أوطاننا بحاجة لمئات النماذج مثل أميرعنان, مئات من الشباب والشابات الذين يطمحون لتخليد أسمائهم بحروفٍ من ذهب, كلٌ في مجاله, بالحلول الإبداعية, والتفكير خارج إطار المألوف والمتوقع. تخيّلوا شكل مجتمعنا لو أن هناك مئة أو ألف أو آلاف من الشباب والشابات الذين يحملون نفس الإيجابية والإصرار والطموح الذي كان يحمله أمير في عقله وقلبه!

يا مَن أحببتُم أخي أمير وأعجبتم بسيرته في حياته أو بعد مماته, لا تجعلوا من أمير الاستثناء. لا تجعلوا من أمير نموذجاً واحداً لا يتكرر, فإن في هذا ظلمٌ كبير له ولكم, وإهدار لطاقاتكم وقدراتكم. ترحّموا عليه واقرأوا له الفاتحة, ولكن أيضاً تذكروا وصيته: كونوا ما تريدون وحلّقوا بطموحاتكم وأحلامكم واعملوا على تحقيقها ما استطعتُم, بعيداً عن كل أعذار الحصار أو نقص الكهرباء أو الفقر أو الضعف أو المرض. هذا ما سيغيّر من حالنا, ويجعل مجتمعاتنا وأوطاننا أفضل حالاً مما هي عليه الآن.

أمير كان مقتنعاً بهذه الأفكار والمبادئ, ولهذا ستجدوا أن الشعار الذي اتخده في حياته وفي صفحته الشخصية يتلخّصُ في الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) صدق الله العظيم

--------------------------

روابط ذات صلة

ستيفن هوكنج الفلسطيني: أمير عنان

صفحة أمير عنان على الفيسبوك

فيديو: أمير عنان, قصة نجاح من طراز فريد

صفحة د. حيدر عنان وكتبه على جودريدز

مديرة مدرسة تحارب الجهل بالعمل التطوعي لمحو الأمية بغزة




30 مايو 2015

تساؤلات محرمة عن المقاومة الفلسطينية


* المقال نُشر أولا في موقع ساسة بوست

-----



"سقوط صواريخ على إسرائيل.. وإصابات غزاوية بالهلع! ‫#‏مش_ناقصنا‬"

"السيناريو المعتاد, طائرات حربية ومن بعدها اطﻻق صواريخ توصل ﻻسدود, والمشهد اﻻخير حرب جديدة علي غزة. لوين بدنا انروح؟"

"حرب تاني هو قلبي لسه طاب من الاولاني !!"

"انهزامي انبطاحي زئبقي مطاطي متواطئ,احكو اللي بدكو اياه عني بس انا شخصيا اعصابي مش متحملة حرب جديدة"



كانت هذه مجرد عينة من ردود أفعال البعض ممن أتابعهم عبر موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك ليلة أمس, عقب الإعلان عن إطلاق صواريخ للمقاومة باتجاه الأراضي المحتلة، تلك الأخبار التي وبمجرد إذاعتها، أثارت موجة من الترقب والتخوف مما ستنتج عنه، وقد لا أبالغ عند وصف ردود الأفعال هذه بالذعر، لمجرد احتمال أن تتحول هذه الصواريخ والقصف الإسرائيلي الذي تبعها إلى حرب جديدة تشن على قطاع غزة.

قرأتُ ردود الافعال هذه ولم أستطع ان أمنع نفسي من تساؤل واحد يبدو محرما على البعض مجرد التفكير فيه: هل يرضى الفلسطينيون اليوم عن المقاومة في شكلها الحالي؟

انتبه عزيزي القارئ قبل أن تبدأ بمهاجمة عقلي المريض ونعتي بصفات الإنهزامية والإنبطاحية، فالسؤال هنا ليس عن مبدأ المقاومة ضد الإحتلال، الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه أو يعارضه، ولكن السؤال هو عن الشكل الحالي للمقاومة الذي تتخذه الفصائل المسلحة المتعددة، وبمزيد من التحديد، إطلاق الصواريخ محلية الصنع من داخل قطاع غزة باتجاه الأراضي المحتلة. هل تعتقدون أن عموم الشعب الفلسطيني يوافقون على هذا النمط المكرر: إطلاق صواريخ يتبعه رد اسرائيلي محدود يتبعه المزيد من الصواريخ وينتهي كما نعلم بعدوان واسع النطاق ودمار تام لكل أشكال الحياة في غزة، مرة تلو الأخرى؟

لا يبدو من العدل أن نقارن الوضع الفلسطيني والصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي بأي وضع آخر في العالم، ولكن في كل صراع مسلح بين طرفين، ينبغي أن يتم الفصل بين الجبهات العسكرية والجبهات المدنية؛ بمعنى إن خط المواجهة بين جيشين أو قوتين مسلحتين ينبغي أن يبتعد قدر الإمكان عن المدنيين من الطرفين. إلا أن الوضع الفلسطيني القائم في قطاع غزة وكما هو واضح، يخلط بين الحبهتين العسكرية والمدنية، وغالبا فإن الرد على أي فعل عسكري ينطلق من داخل القطاع يكون استهدافا للمدنيين. نعم هذه دناءة جيش الإحتلال، ولكنك كفصيل مقاوم تعلم أنه من المستحيل أن يتم الفصل بدقة بين ماهو مدني وما هو عسكري في القطاع.

ماهو جدير بالذكر أيضا أنه وفي أي جيش نظامي أو غير نظامي حتى، يوجد جبهة عسكرية وجبهة سياسية تديران معا وبتنسيق كامل خطوات القتال والمواجهة مع العدو، وكثيرا ما يتبع الجناح العسكري قيادته السياسية ويأتمر الجميع بأمر قائد واحد فقط، يكون المسئول الأول والأخير عن الانتصار أو الهزيمة أمام شعبه.

في المقابل دعونا ننظر إلى الوضع الفلسطيني اليوم! فلكل حزب سياسي جناح عسكري، وغالبا ما يختفي التنسيق بين الجناحين ضمن الحزب الواحد، ثم هناك عدة أحزاب وبالتالي عدة أجنحة عسكرية لا تنسق أفعالها فيما بينها، ولا يوجد قرار مشترك يوحد الصف ويقول بوضوح: الآن وقت القتال أو الآن وقت الهدنة!

كل هذا بالطبع، يسبب حالة من العشوائية وانعدام التنظيم في الأفعال العسكرية التي تندرج تحت مبدأ المقاومة، ولهذا نجد أن حركة الجهاد الإسلامي بالأمس قد أعلنت مسئوليتها عن إطلاق الصواريخ، فيما قالت حركة حماس أن هذا الفعل لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني!

أضف إلى كل هذا موقف السلطة الفلسطينية، التي من المفترض أن تكون الجهة الرسمية للتعبير عن الشعب الفلسطيني، فالسلطة الفلسطينية الحالية منقسمة بين تيار حاكم في الضفة الغربية يعتمد المفاوضات أسلوبا لحل الصراع، بل ويستنكر المقاومة المسلحة، وآخر يحكم في غزة ويغلب عليه الطابع المسلح في مواجهة الاحتلال وبالتالي يجرم الطرف الآخر ويعتبره متواطئا، وكلا الطرفين يعتبر أنه صاحب الحق في التحدث باسم الفلسطينيين وفي إدارة الصراع بالطريقة التي يراها مناسبة!

وماذا عن الشعب المحتَل؟ لماذا لا يتم أخذ رأيه في الإعتبار ولا يهتم أحد لمعرفة الطريقة التي يفضلها -هو- لمواجهة الإحتلال؟ ولماذا يحرم على الناس أن يتساءلوا عن جدوى هذا الأسلوب في المقاومة؟ الناس الذين يدفعون الثمن من دمائهم وأرواحهم وجدران بيوتهم وقوت أبنائهم؟ لماذا لا يفهم البعض الرغبة المشروعة لدى أي أب أو أم يريدون أن يربوا أولادهم بهدوء وطمأنينة بعيدا عن ساحات القتال؟ ولماذا يعتبر البعض أن الرغبة في الحياة تكافئ الجُبن والقبول بذل لاإحتلال؟ لماذا يفسر البعض أي صوت معارض لأسلوب حماس أو غيرها في إدارة الصراع على أنه صوت انهزامي متواطئ مع الاحتلال؟

إن الذي يختار أن يكون عسكريا ويسلك مسار المقاومة المسلحة ينبغي عليه أن يفهم رغبة شخص آخر يريد أن يكون طبيبا أو عالما أو مدرسا، شخص يريد أن يكون مدنيا وحسب، بل أن العسكري من واجبه أن يحمي حق المدنيين من أبناء وطنه في الحياة الآمنة.

نعم نحن شعب واقع تحت الإحتلال وليس من المتوقع أن نحيا بأمان في وجود المحتل، ولكنني لا أعلم جيشا انتصر على عدوه ومن خلفه شعب تعب وغير مستعد نفسيا لتكرار المواجهة بنفس الطريقة كل مرة. ولا أدعي إنني أعلم ما الذي تريده الغالبية من الفلسطينيين كحل لهذا الصراع، ولكني أعلم يقينا أن الكثيرين يوافقونني الرأي بأن كثرة الرؤوس وتشتت القيادات بات أمرا غير مقبولا، وأنه لابد من وجود قائد واحد يلتف حوله الفلسطينيون جميعا ويكون هو المسئول أمامهم عما يتم اتخاذه من قرارات مصيرية، قرارات حياة آو موت، دمار أو إعمار، رضوخ أم تحرير.