30 مايو 2015

تساؤلات محرمة عن المقاومة الفلسطينية


* المقال نُشر أولا في موقع ساسة بوست

-----



"سقوط صواريخ على إسرائيل.. وإصابات غزاوية بالهلع! ‫#‏مش_ناقصنا‬"

"السيناريو المعتاد, طائرات حربية ومن بعدها اطﻻق صواريخ توصل ﻻسدود, والمشهد اﻻخير حرب جديدة علي غزة. لوين بدنا انروح؟"

"حرب تاني هو قلبي لسه طاب من الاولاني !!"

"انهزامي انبطاحي زئبقي مطاطي متواطئ,احكو اللي بدكو اياه عني بس انا شخصيا اعصابي مش متحملة حرب جديدة"



كانت هذه مجرد عينة من ردود أفعال البعض ممن أتابعهم عبر موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك ليلة أمس, عقب الإعلان عن إطلاق صواريخ للمقاومة باتجاه الأراضي المحتلة، تلك الأخبار التي وبمجرد إذاعتها، أثارت موجة من الترقب والتخوف مما ستنتج عنه، وقد لا أبالغ عند وصف ردود الأفعال هذه بالذعر، لمجرد احتمال أن تتحول هذه الصواريخ والقصف الإسرائيلي الذي تبعها إلى حرب جديدة تشن على قطاع غزة.

قرأتُ ردود الافعال هذه ولم أستطع ان أمنع نفسي من تساؤل واحد يبدو محرما على البعض مجرد التفكير فيه: هل يرضى الفلسطينيون اليوم عن المقاومة في شكلها الحالي؟

انتبه عزيزي القارئ قبل أن تبدأ بمهاجمة عقلي المريض ونعتي بصفات الإنهزامية والإنبطاحية، فالسؤال هنا ليس عن مبدأ المقاومة ضد الإحتلال، الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه أو يعارضه، ولكن السؤال هو عن الشكل الحالي للمقاومة الذي تتخذه الفصائل المسلحة المتعددة، وبمزيد من التحديد، إطلاق الصواريخ محلية الصنع من داخل قطاع غزة باتجاه الأراضي المحتلة. هل تعتقدون أن عموم الشعب الفلسطيني يوافقون على هذا النمط المكرر: إطلاق صواريخ يتبعه رد اسرائيلي محدود يتبعه المزيد من الصواريخ وينتهي كما نعلم بعدوان واسع النطاق ودمار تام لكل أشكال الحياة في غزة، مرة تلو الأخرى؟

لا يبدو من العدل أن نقارن الوضع الفلسطيني والصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي بأي وضع آخر في العالم، ولكن في كل صراع مسلح بين طرفين، ينبغي أن يتم الفصل بين الجبهات العسكرية والجبهات المدنية؛ بمعنى إن خط المواجهة بين جيشين أو قوتين مسلحتين ينبغي أن يبتعد قدر الإمكان عن المدنيين من الطرفين. إلا أن الوضع الفلسطيني القائم في قطاع غزة وكما هو واضح، يخلط بين الحبهتين العسكرية والمدنية، وغالبا فإن الرد على أي فعل عسكري ينطلق من داخل القطاع يكون استهدافا للمدنيين. نعم هذه دناءة جيش الإحتلال، ولكنك كفصيل مقاوم تعلم أنه من المستحيل أن يتم الفصل بدقة بين ماهو مدني وما هو عسكري في القطاع.

ماهو جدير بالذكر أيضا أنه وفي أي جيش نظامي أو غير نظامي حتى، يوجد جبهة عسكرية وجبهة سياسية تديران معا وبتنسيق كامل خطوات القتال والمواجهة مع العدو، وكثيرا ما يتبع الجناح العسكري قيادته السياسية ويأتمر الجميع بأمر قائد واحد فقط، يكون المسئول الأول والأخير عن الانتصار أو الهزيمة أمام شعبه.

في المقابل دعونا ننظر إلى الوضع الفلسطيني اليوم! فلكل حزب سياسي جناح عسكري، وغالبا ما يختفي التنسيق بين الجناحين ضمن الحزب الواحد، ثم هناك عدة أحزاب وبالتالي عدة أجنحة عسكرية لا تنسق أفعالها فيما بينها، ولا يوجد قرار مشترك يوحد الصف ويقول بوضوح: الآن وقت القتال أو الآن وقت الهدنة!

كل هذا بالطبع، يسبب حالة من العشوائية وانعدام التنظيم في الأفعال العسكرية التي تندرج تحت مبدأ المقاومة، ولهذا نجد أن حركة الجهاد الإسلامي بالأمس قد أعلنت مسئوليتها عن إطلاق الصواريخ، فيما قالت حركة حماس أن هذا الفعل لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني!

أضف إلى كل هذا موقف السلطة الفلسطينية، التي من المفترض أن تكون الجهة الرسمية للتعبير عن الشعب الفلسطيني، فالسلطة الفلسطينية الحالية منقسمة بين تيار حاكم في الضفة الغربية يعتمد المفاوضات أسلوبا لحل الصراع، بل ويستنكر المقاومة المسلحة، وآخر يحكم في غزة ويغلب عليه الطابع المسلح في مواجهة الاحتلال وبالتالي يجرم الطرف الآخر ويعتبره متواطئا، وكلا الطرفين يعتبر أنه صاحب الحق في التحدث باسم الفلسطينيين وفي إدارة الصراع بالطريقة التي يراها مناسبة!

وماذا عن الشعب المحتَل؟ لماذا لا يتم أخذ رأيه في الإعتبار ولا يهتم أحد لمعرفة الطريقة التي يفضلها -هو- لمواجهة الإحتلال؟ ولماذا يحرم على الناس أن يتساءلوا عن جدوى هذا الأسلوب في المقاومة؟ الناس الذين يدفعون الثمن من دمائهم وأرواحهم وجدران بيوتهم وقوت أبنائهم؟ لماذا لا يفهم البعض الرغبة المشروعة لدى أي أب أو أم يريدون أن يربوا أولادهم بهدوء وطمأنينة بعيدا عن ساحات القتال؟ ولماذا يعتبر البعض أن الرغبة في الحياة تكافئ الجُبن والقبول بذل لاإحتلال؟ لماذا يفسر البعض أي صوت معارض لأسلوب حماس أو غيرها في إدارة الصراع على أنه صوت انهزامي متواطئ مع الاحتلال؟

إن الذي يختار أن يكون عسكريا ويسلك مسار المقاومة المسلحة ينبغي عليه أن يفهم رغبة شخص آخر يريد أن يكون طبيبا أو عالما أو مدرسا، شخص يريد أن يكون مدنيا وحسب، بل أن العسكري من واجبه أن يحمي حق المدنيين من أبناء وطنه في الحياة الآمنة.

نعم نحن شعب واقع تحت الإحتلال وليس من المتوقع أن نحيا بأمان في وجود المحتل، ولكنني لا أعلم جيشا انتصر على عدوه ومن خلفه شعب تعب وغير مستعد نفسيا لتكرار المواجهة بنفس الطريقة كل مرة. ولا أدعي إنني أعلم ما الذي تريده الغالبية من الفلسطينيين كحل لهذا الصراع، ولكني أعلم يقينا أن الكثيرين يوافقونني الرأي بأن كثرة الرؤوس وتشتت القيادات بات أمرا غير مقبولا، وأنه لابد من وجود قائد واحد يلتف حوله الفلسطينيون جميعا ويكون هو المسئول أمامهم عما يتم اتخاذه من قرارات مصيرية، قرارات حياة آو موت، دمار أو إعمار، رضوخ أم تحرير.


Blogger Tricks

01 نوفمبر 2014

هذا ما علّمني إياه صغيري ذو الثلاثة أشهر


*نشر هذا المقال أولا على موقع ساسة بوست
-------------


يتم اليوم ابني الصغير شهره الثالث في هذه الحياة. ثلاثة أشهر سبقتها تسعة, سبقتها أعوام من الإنتظار, سنوات من تأمل أبناء الأصدقاء, والاعتناء بأبناء الأقارب. كنتُ كغيري من الصبايا أتلهف لليوم الذي سأصبح فيه أمًا.
الآن وقد أصبحت, والتقيتُ بمسئولية الأمومة وجهاً لوجه, وفي كل مرة أكاد أفقد فيها صبري خلال محاولة يائسة لترجمة معنى بكاء الصغير, أو إيقاظه لي من عمق النوم - الذي أكنّ له مكانة خاصة يعلمها المقربون مني- في كل مرة من هذه اللحظات الصعبة أذكّر نفسي وأقول: اسكتي واحمدي ربنا, واشكريه على النعمة التي أنعم بها عليكِ بعد طول انتظار.
وفي لحظات أخرى ملائكية, أجدني أتأمل الصغير أثناء نومه بهدوء, أستغرب أن هذا الكائن هو ابني أنا! ولا أخبركم عن عدد المرات التي استيقظت فيها فجأة, ولجزء من الثانية يملؤني شعور بالدهشة لوجوده بجانبي!
ثلاثة أشهر تعرفت فيها على مشاعر لم أكن أعلم أنها موجودة بداخلي, بل وتعلمتُ فيها دروسًا في الحياة, لم يكن بالإمكان أن أتعلمها على يد أستاذ آخر, غير ابني.
صحيح أن الأمومة غريزة, ولكنها لا تهبط كالوحي عند الولادة, بل تستدعي القراءة والتدريب والاجتهاد, وتكبر بمرور الوقت, ولا تعني بالضرورة أنني أقوم –دائمًا- بفعل الصواب. الأمومة مهارة أتعلمها بطريقة التجربة والخطأ.
الأمومة مسئولية كبيرة, تتطلب من المرأة أن تضع جانبًا راحتها ورغباتها وأحلامها الشخصية, لكي يصبح وليدها على قمة أولويتها, على الأقل في الأشهر الأولى من عمره. وجود طفلي في حياتي يُشعرني بالامتنان لكل الفرص التي حصلتُ عليها ولكل التجارب التي خضتها في الفصول التي سبقت من حياتي, فهي التي تجعلني الآن أكثر استعدادًا لأن أكرّس وقتي كله في الاعتناء بصغيري وخوض مغامرة الأمومة, دون أن أشعر بالتذمر لشئ قد فاتني, ودون أن أشعر أن عمري قد سُرق مني. ذلك الشعور الذي أعلم أنه يلازم الكثير من النساء اللاتي حكمت عليهنّ ظروفهنّ أن يصبحن أمهات في عُمرٍ مبكر.
علّمني طفلي الصغير الذي يبدو معتمدًا عليً اعتمادا كاملا أنني أنا أيضًا اعتمد عليه. فابتسامة واحدة منه تحسّن مزاجي, ونظرة متأملة من عينيه الصغيرتين تُشعرني بالأمل والطمأنينة, وبكفه التي تتمسك بإبهامي يتضح أمام عينيّ الهدف من وجودي في هذا العالم.
لقد اكتشفتُ أن هناك تشابهًا كبيرًا بين الحياة وبين ابتسامة الأطفال وبكائهم. بكاء الأطفال و"نكدهم" يأتي مجانًا ويكاد يكون الوضع التلقائي لهم, وفي المقابل فإن عليك أن تتعب وتلعب وتتشقلب وتصنع من نفسك بهلوانًا في سبيل الحصول على ضحكة طفل مجلجلة تملأ الروح فرحًا وبهجة. وهكذا هي الحياة, تأتي الهموم إليكَ تباعا فتظن أنك لن تسعد يومًا, ولأجل السعادة نسعى ونسهر ونسافر أميالا بحثًا عن الرضا والسعادة.
علمني صغيري أيضًا أن أحافظ على قدرتي على الاندهاش وألا أفقدها أبدًا. ففي الاندهاش متعة عظيمة, من فقدها فكأنما فقد الطفل الذي بداخله.
وفي لحظات الاعتناء بطفلي, يدهشني كم يولد الواحد منا ضعيفا معدوم الحيلة لا حول له ولا قوة, ويدهشني أكثر الكبار الذين يظنون أنهم أقوى وأعظم مَن خَلق الله, أولئك الكبار الذين يظلمون ويستقوون ويتجبّرون على العباد, ولا يذكرون كم كانوا في يوم من الأيام في أحضان أمهاتهم ضعفاء مساكين!
لقد أجبرتني الظروف على خوض تجربة الولادة والأمومة في بلد الغربة, دون وجود والدتي أو والدة زوجي إلى جانبي. ولعل هذا ما جعلني أدرك حقيقة مهمة كانت ستكون غائبة عن عيني لولا الغربة. تلك الحقيقة بأن أمومة المرأة لا تكتمل ولا يمكنها أن تؤدي دورا ناجحا إلا بوجود زوج متعاون ومستعد للمشاركة الإيجابية في حياة المولود الصغير. لقد كان وجود زوجي إلى جانبي بمثابة طوق النجاة ويد العون منذ اليوم الأول. وفي كل يوم عندما أتأمل زوجي في أوقات اعتنائه بطفلنا وملاعبته, أجد قلبي عامرا بسعادة عجيبة, لا يماثلها أي شعور آخر.
طفلي الصغير هو معلمي. وكما يقول الإعلان الشهير, الأمومة ليست سهلة, ولكنها تستحق, وهي تجربة غنية بالمشاعر والدروس للوالدين كما هي للمولود, لمن كان له قلب يشعر, وعقل يتأمل.


04 مايو 2014

الأناشيد الوطنية العربية.. كل نشيدٍ قصة


*هذا المقال نُشر أولا على موقع ساسة بوست
------------


المصدر: sowarr.com

لكل دولة في العالم رموز وطنية تعطي للبلد طابعا مميزا في المحافل الدولية, ويلتزم أبناؤه باحترامه وترديده في المناسبات المحلية ويحفظها الأطفال منذ الصغر. منها العلم والنشيد الوطني.
ويعد النشيد الوطني الهولندي أقدم نشيد وطني على مستوى العالم, حيث تمت كتابته وصياغة موسيقاه واعتماده رسميا منذ عام 1568 وإلى وقتنا هذا.
ولكن ماذا عن الأناشيد الوطنية العربية. وما هي القصص المميزة التي يرويها كل نشيد منها؟

أناشيد اختيرت بمسابقة وطنية

اختارت عدة دول عربية اللجوء إلى وسيلة المسابقة الوطنية لاختيار نشيدها الوطني, بحيث تتيح الفرصة لأكبر عدد من الشعراء والموسيقيين في بلادهم, وأحيانا من بلاد عربية أخرى, للتعبير عن حبهم لوطنهم بالكلام والموسيقى. من هذه الدول: لبنان, سوريا, ليبيا, السودان, تونس (النشيد السابق), والكويت.
أما النشيد الوطني اللبناني (كلنا للوطن) فهو الأقدم الذي نتج عن مسابقة وطنية, وهو أيضا النشيد الأٌقدم من حيث تاريخ اعتماده, وعدد السنوات التي استخدم فيها. فقد أُعلنت مسابقة اختيار النشيد الوطني عام 1926 عقب إعلان الجمهورية اللبنانية, وفيها فاز الشاعر اللبناني رشيد نخلة, وفي العام التالي صيغ لحن النشيد وتوزيعه على يد وديع صبرا, مدير المدرسة الموسيقية الوطنية اللبنانية في حينها, ومازال نفس النشيد مستخدما إلى الآن.
ويليه من حيث القدم النشيد الوطني السوري (حماة الديار), فقد تم اختياره واعتماده نشيدا وطنيا للجمهورية العربية السورية عام 1938 في مسابقة وطنية. وهو من كلمات الشاعر السوري خليل مردم بك, ووضع موسيقاه الملحن اللبناني محمد فليفل (هو أيضا ملحن نشيد موطني). الجدير بالذكر أن استخدام النشيد توقف وقت إعلان الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958, إلا أنه أعيد ثانية بعد الانفصال عام 1961 ومازال مستخدما حتى الآن.
كذلك حدث مع النشيد الوطني الليبي (يا بلادي), وهو النشيد الرسمي للمملكة الليبية منذ عام 1955 واختيرت كلماته بمسابقة وطنية فاز فيها الشاعر التونسي البشير العريبي, ولحّنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. توقف العمل بالنشيد في زمن الرئيس السابق معمر القذافي منذ عام 1969 وحتى قيام الثورة الليبية عام 2011, حيث أعاد الثوار الليبيون استخدامه مع العلم الملكي الليبي, ويعتمده الآن المجلس الوطني الإنتقالي في ليبيا.
وفي نفس العام أيضا تم اختيار القصيدة التي أصبحت فيما بعد النشيد الوطني السوداني (نحن جند الله, جند الوطن) بمسابقة عامة كانت مخصصة في البداية لاختيار قصيدة تشيد بالقوات المسلحة السودانية عام 1955, ومن ثم أضيف إلى القصيدة اللحن عام 1958 لتصبح نشيدا متكاملا وسلاما جمهوريا. النشيد من كلمات الشاعر السوداني أحمد محمد صالح, وألحان العقيد في سلاح الموسيقى أحمد مرجان.
أما في حالة تونس, فقد اختير النشيد الوطني التونسي السابق (ألا خلّدي) عام 1958 زمن الرئيس الحبيب بورقيبة بعد مسابقة نظمتها وزارة التربية والتعليم, وهو من كلمات الشاعر التونسي جلال الدين النقاش, ووضع موسياقه الملحن صالح المهدي, الذي كان يشغل منصب مدير المعهد الموسيقي بتونس في حينها. توقف العمل بهذا النشيد عام 1987 بعد قدوم زين العابدين بن علي, (خاصة لاحتوائه على إشارة واضحة لإسم الحبيب بورقيبة في أحد أبياته) ليحل محله نشيد (حماة الحمى) حتى الآن. والنشيد يدمج بين كلمات الشاعر المصري مصطفى صادق الرافعي والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي, ومن ألحان أحمد خير الدين.
وفي الكويت, أقيمت مسابقة تم فيها اختيار النشيد الوطني الكويتي (وطني الكويت) من كلمات الشاعر الكويتي أحمد العدواني, وألحان الموسيقي الكويتي إبراهيم الصولة, وأذيع للمرة الأولى بالتزامن مع احتفالات اليوم الوطني في الكويت عام 1978, وما زال مستخدما إلى الآن.

موسيقى النشيد دون كلمات, لعدة عقود!

يوجد للنشيد الوطني السعودي الحالي (سارعي) قصة جديرة بالإهتمام, حيث أنه النشيد الأول الذي يفصل بين موسيقاه وكلماته ما يقرب من أربعين عامًا. كُلف الملحن السعودي القدير طارق عبد الحكيم بوضع سلام ملكي ليتم عزفه أثناء زيارة قام بها الملك عبد العزيز للقاهرة عام 1947 بحسب البروتوكولات المتّبعة. ومنذ ذلك الوقت استمر وجود السلام الملكي بالموسيقى فقط, إلى عام 1984, وعندها تم تكليف الشاعر السعودي إبراهيم الخفاجي بوضع كلمات مناسبة للحن, واعتمد رسميا منذ ذلك الحين وحتى الآن.
أما في المغرب فقد حصلت نفس الحالة ولكن بقصة مختلفة تماما, فقد تم وضع الموسيقى الخاصة بالنشيد الوطني المغربي عام 1956 على يد الموسيقي الفرنسي ليو مورجان, والذي كان رئيس فرقة الموسيقى العسكرية لقوات الحماية الفرنسية على المغرب (الفترة التي سبقت إعلان الإستقلال). وبقي النشيد مستخدما بالموسيقى فقط متى عام 1970. ففي ذلك العام تأهلت المغرب لكأس العالم في المكسيك, وعندها تم تكليف الشاعر والأديب المغربي علي الصقلي الحسيني ليضع كلمات مناسبة للحن بحيث يستطيع اللاعبون ترديدها كما يجري عادةً قبل كل مباراة.

أناشيد وطنية لأكثر من دولة عربية

تكرر كثيرا أن يتم استخدام نفس النشيد الوطني بواسطة أكثر من دولة عربية في الوقت ذاته أو على فترة متباعدة من الزمن.
فمثلا, نشيد (والله زمان يا سلاحي), وهو من كلمات الشاعر صلاح جاهين, وألحان كمال الطويل كان النشيد الوطني المصري في الفترة من 1960 إلى 1979, وكذلك النشيد الوطني العراقي في الفترة من 1963 إلى 1981.
اللطيف أن استخدام هذا النشيد قد توقف في كل بلد لسبب مختلف عن الآخر. ففي مصر استمر استخدامه حتى عام 1979, ثم طلب الرئيس أنور السادات من الموسيقار محمد عبد الوهاب العمل على نشيد وطني جديد. وبالفعل قام محمد عبد الوهاب بإعادة توزيع نشيد (بلادي بلادي) من كلمات محمد يونس القاضي (متأثرا بإحدى خطب الزعيم مصطفى كامل) وألحان سيد درويش, وهو أحد أقدم الأناشيد الوطنية التي نتجت عن هذا الثنائي ويعود تاريخه إلى عام 1923.
أما في العراق, فقد جاء تغيير نشيد (والله زمان يا سلاحي) بعد قدوم صدام حسين عام 1981, ورغبته في استخدام نشيد غير مرتبط بمصر, وبالفعل تم اعتماد نشيد (أرض الفراتين) من كلمات الشاعر العراقي شفيق الكمالي, وألحان اللبناني وليد غلمية.
النشيد الآخر الذي استخدم في بلدين عربيتين هو نشيد (موطني), من كلمات الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان, وألحان اللبناني محمد فليفل. وهو نشيد تراثي فلسطيني يعود لعام 1934, استخدم نشيدا وطنيا فلسطينيا منذ زمن الانتداب البريطاني على فلسطين, وهو النشيد الوطني العراقي المستخدم حاليا منذ سقوط نظام صدام حسين واعتمد رسميا عام 2005.
الجدير بالذكر أن قطاعا واسعا من الشعب الفلسطيني مازال يعتبر نشيد (موطني) بأنه النشيد الوطني الرسمي لفلسطين, بالرغم من اعتماد نشيد آخر بشكل رسمي هو نشيد (فدائي), من كلمات الشاعر الفلسطيني سعيد المزين, وألحان الملحن المصري علي إسماعيل. وقد تم اختياره نشيدا رسميا لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1972 ومن ثم للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2005, ويقال أن اعتماده جاء بسبب إعتراض الإسرائيليين على نشيد موطني, واشتراطهم تغييره قبل بدء المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

روابط الإستماع للأناشيد الوطنية العربية المذكورة في المقال

كلنا للوطن (لبنان), حماة الديار (سوريا), يا بلادي (ليبيا), نحن جند الله جند الوطن (السودان), ألا خلّدي (تونس), حماة الحمى (تونس), وطني الكويت (الكويت), سارعي (السعودية), النشيد الوطني المغربي, والله زمان يا سلاحي (مصر والعراق), موطني (فلسطين والعراق), بلادي بلادي(مصر), أرض الفراتين (العراق), فدائي (فلسطين)