الأبواب المغلقة في وجهي

قدر الله وما شاء فعل


الآن فقط آمنت انني انتمي الى هذا البلد .. وان ما يعاني منه الكثيرون بت اعاني منه انا أيضا


سأخبركم بالحكاية .. من البداية


.. الكثير منكم يعرف انني قد عملت معيدة في الكلية التي تخرجت منها طوال العام الدراسي الماضي
وليس الكثير منكم يعرف ان عملي هناك قد امتد -فقط- لذلك العام الواحد
وهذه سياسة جديدة في الجامعة .. تعيين الأوائل كمعيدين لمدة عام دراسي واحد .. وكان شرط رجوعي .. ان احصل على درجة الماجستير

كنت اعرف ذلك .. وصراحة ً .. فإنني طوال تلك السنة لم اسع لأي منحة ولم اقدم في اي وظيفة اخرى .. ولم ابحث حتى عن بديل !

-------------------------

الى ان لاحت امامي فرصة .. اتاني بها والدي -البروفيسور في الجامعة- عبر أحد زملائه .. تقريبا في أواخر شهر يوليو

فرصة السفر لاستكمال دراستي في بلجيكا ! منحة دراسية لمدة عام دراسي واحد مقدمة من الاتحاد الاوروبي .. للحصول على درجة الماجستير في أحد المجالات الهندسية المرتبطة ارتباطا وثيقا بمجالي .. وفي بلد شهد لها من زارها بأنها بلد ذات شعب متسامح .. غير متصعب ضد المسلمين .. لا يرى في شكل الفتاة المحجبة اي داع للاستغراب .. وهي النقطة الاساسية التي جعلت والدي يتحمس للفكرة ولا يرى فيها اي ضرر بالنسبة لي .. بالإضافة الى رغبته ان استكمل ما كنت قد بدأته بالفعل .. وان اسير على دربه -إن صح التعبير-.

وبدأت في اجراءات التقدم للمنحة واعداد السي في .. واستخراج اوراقي باللغة الانجليزية وكتابة رسالة البروبوزال (لا اعرف ترجمتها بالعربية) وهنا لابد أن اشكر اخي العزيز عبد الله جروم على مساعدته وتعبه معي في صياغة الرسالة

بالإضافة لمعاملات استخراج جواز سفر وشهادة حسن سير وسلوك وشهادة خلو من الامراض .. من دوائر حكومية مضطربة .. قل ما توافر فيها التيار الكهربائي .. فضلا عن اضرابات الموظفين وما شابه مما سبب الكثيييير والكثير من التأخير

وفي تلك الفترة السوداء التي امتدت لفترة شهرة ونصف .. كنت اسابق الزمن واسعى جاهدة لتحمل اعصاب والدي السريعة الفلتان .. و تأنيبه المستمر لي بسبب (صحياني المتأخر) او عدم قيامي بشئ ما على الوجه المطلوب


وفي نفس الوقت كنت اترقب وانتظر رسالة القبول او الرفض من الجامعة ... واضع كافة الاحتمالات نصب عيني

-------------------------


الى ان جاءتني رسالة القبول :)) قبلت في المنحة .. وكنت الوحيدة التي قبلت من كافة المتقدمين من جامعتي !! كان ذلك في أواخر شهر اغسطس ..

وكانت الخطوة القادمة .. ان اتقدم بطلب الحصول على الفيزا .. عبر ارسال اوراقي الثبوتية مع رسالة القبول الى قنصلية بلجيكا في القدس عبر البريد ..

القدس .. التي يفصلها عن قطاع غزة ذلك المعبر الكئيب معبر ايريز .. ويمر من خلاله الاشخاص او البريد المتنقل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية ..

وبسبب عملية تفجيرية ما .. اغلق المعبر .. وتأخرت تلك الخطوة لمدة ثلاثة اسابيع كاملة !!

-------------------------

وما ان اعيد فتح المعبر .. ارسلت اوراقي وانتظرت لعدة اسابيع .. الى ان كان يوم العيد .. وجاءني ذلك الاتصال الذي بشرني بحصولي على الفيزا !! وكانت تلك افضل "عيدية" في حياتي

وحينها كان قد بدأ شهر اكتوبر .. وبدأ معه السباق الحقيقي مع الزمن ..


في بلد غير هذه البلد .. يكون حصولي على الفيزا هو الخطوة النهائية .. وكنت سأقوم بعد ذلك بحجز تذكرة للسفر على اول طيارة متوجهة للقارة الاوروبية .. ولكن في غزة الوضع مختلف


حصولي على الفيزا هي خطوة .. تليها التقدم بطلب الخروج من القطاع عبر معبر ايريز سواء باتجاه مصر او باتجاه الاردن

ولأن الدراسة قد بدأت هناك في بداية شهر اكتوبر .. ومراعاة لظروف قطاع غزة .. تم اعطائي مهلة شهر للقيام بما يلزم .. ألا وهو الحصول على تنسيق للمرور عبر معبر ايريز والخروج من القطاع

-------------------------

وكنت قد بدأت بتجهيز اغراضي .. واشتريت ما يلزم .. لقد اشتريت العديد من الاشياء الجميلة حقا ! وجهزت الحقائب ونفسيتي لفكرة الرحيل

كانت الايام تمضي .. كأنها الايام الاخيرة من حياتي .. انتظر قرار العفو او قرار الاعدام


وكل يوم يمضي .. يزداد أملي في وجه الله الكريم .. وتزداد رؤيتي لتلك الاشارات الخفية التي تخبرني اني بالفعل ذاهبة الى بروكسل

كأن افتح التلفزيون على حين غرة .. واصطدم بشخص يخبرني "أهلا بكم الى بروكسل" عبر برنامج وثائقي تصادف حديثه عن تلك المدينة في ذات اللحظة التي فتحت فيها التلفزيون!

او ان اغير القناة فجأة الى قناة العربية لأنتظر الاخبار .. فأجدني انظر الى شوارع بروكسل في الليل عبر تلك الفقرة "العالم في هذه اللحظة" .. اشارات .. كانت توحي لي بأنني سأذهب حتما

كان معبر ايريز مغلقا طوال تلك الفترة .. وكنت اسمع ان من لديه فيزا نحو بلد اجنبي هو فقط من يستطيع المرور .. وكان احد المسئولين من الجامعة البلجيكية دائم الاتصال بي عبر الايميل ليخبرني انهم يبذلون ما بوسعهم لكي احصل على الإذن بالخروج


وكنت اتأمل خيرا يوما بعد يوم ..

الى ان وصلت ليوم الأحد او الاثنين الماضي .. لا اذكر بالتحديد ! بقيت لي عدة ايام فقط ! فهل ستحل جميع الامور في اللحظات الاخيرة ؟ كنت اتندر بالقول ان حكايتي كالمسلسل العربي .. فلما لا تحل جميع مشاكلي في الحلقة الاخيرة ؟

اتصلت بالسفارة البلجيكية في تل ابيب .. وطلبت من الموظفة ان تخبرني بالتحديد .. هل حصلت على الاذن بالخروج ام لا

كنت قد اتصلت بها اكثر من مرة .. وكانت دائما تقول لي
We are working on it

لكني في ذلك اليوم طلبت منها ان تغير تلك الجملة .. وان ترد بنعم او بلا وتنهي مأساتي ..

اجابتني
I'll see what i can do and i'll talk to you later

وبينما كنت انتظر اتصالها .. انفجرت في وجهي الاخبار السيئة .. عملية في بيت حانون توقع قتيلا بين صفوف الجنود .. وعملية أخرى في رفح توقع عدة اصابات !!

يا سلام !!

لم يمر وقت طويل حتى جاءني ذلك الاتصال .. بالخبر الذي اصبح متوقعا بالنسبة لي
We did everything we can .. I'm sorry


هكذا .. وبكل بساطة انتهى الحلم ! واصبح الخيار الوحيد ان انتظر للعام القادم ! هذا على فرض انهم سيقبلوا بتأجيل المنحة للعام القادم

-------------------------

الشئ الوحيد الذي لا استطيع استيعابه هو .. لماذا حدث كل ذلك ؟؟ الم يكن من الممكن ان يُرفض طلبي من البداية ؟؟ الم يكن من الممكن عدم حصولي على الفيزا ؟؟ الم يكن من الافضل الا يحدث كل هذا ؟؟ على الاقل كنت سأبحث عن وظيفة ما وكنت سأوفر على نفسي وعلى اهلي المشقة والمخاسر والتعب النفسي

طول عمري كنت أؤمن بأن كل شئ يحدث لسبب ما .. لكنني ببساطة .. لا افهم ! لم حدث معي كل هذا ؟؟

لابد ان يكون هناك سبب .. لكنني لا استطيع رؤيته الآن .. فقط آمل ان يأتي اليوم الذي استطيع فيه ان انظر للخلف على كل هذا .. وان اخبر نفسي وبصدق ان الله قد فعل الافضل


شيماء .. ألا استحق قراءة الفاتحة اكثر منك يا عزيزتي ؟؟

رجاء .. لا تكتبوا لي تعليقات تشعرني بالمزيد من الحزن ... اعتمد عليكم لاضحاكي !