هدية من السما - صلّـيتُ في الأقـصى



بتعرف الآية الكريمة "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ" , والمثل القائل "رب صدفة خير من الف ميعاد", والمثل التاني الي بيقول "كل تأخيرة وفيها خيرة" .. اخلط كل هادول مع بعض وهاتعرف مختصر اليوم الغريب الي انتهى بأني أصلّي في المسجد الأقصى..

بتعرفوا ان أفضل الأشياء الي بتصير في حياتي .. بتصير بدون تخطيط مسبق ؟! أحيانا بتفاجئني الحياة بهدايا غير متوقعة , لكن هادي المرة كانت مفاجئة بجرعة مكثفة جدا, وفي وقتها تماما, ففي عز احباطاتي المتتالية واحدة تلو الاخرى ,أبسطها "إفشالي مجددا" في الحصول على فرصة عمل مناسبة في جامعة انتميت اليها يوما ما , رزقني الله بزيارة القدس المحتلة والحرم المقدسي الشريف, ومدينة رام الله وقبر ياسر عرفات.

اذا كنت فلسطيني, رح تعرف بالضبط شعوري! لأنك بتعرف مدى صعوبة -أو استحالة- الوصول للحرم المقدسي الشريف.. بعد ما تم فصل القدس الشرقية بالكامل عن محيطها الفلسطيني. ولو كنت من غزة فإنت اكيد مستوعب اديش لازم تكون محظوظ عشان تحصل على تصريح دخول للضفة الغربية..

صح ! يومها انا كنت محظوظة جدا

سبب الزيارة


كنت أحد المدعوين لحضور مؤتمر طلابي في جامعة الخليل بوليتيكنيك عن الدراسة في أوروبا, بصفتي طالبة سبق وحصلت على منحة دراسية مقدمة من الاتحاد الأوروبي تسمى Erasmus Mundus
كنت قد سجلت اسمي لحضور المؤتمر قبل شهر تقريبا .. ووصلني اتصال يوم الثلاثاء مساءً من احد الزملاء لتبليغي ان السفر للخليل رح يكون صباح اليوم التالي.

معبر ايرز

هو معبر موجود شمال قطاع غزة لمرور الافراد داخل وخارج قطاع غزة نحو الضفة الغربية و"اسرائيل".


توجهت هناك منتصف نهار يوم الاربعا 3 نوفمبر 2010.. سجلت اسمى لدى شرطة حماس المتواجدة عند المعبر ودخلت انتظر حصولي على تصريح الدخول عند شباك موظف الارتباط (هو هيك اسمه صح؟!) ..

كنا خمس أشخاص, جميعنا كنا طلاب سابقين بمنح دراسية اوروبية. بعد عدة دقائق انتظار .. بلّغونا ان اثنان منا وصلت تصاريحهم للجانب الاسرائيلي وان التلاتة الباقين سيلحقوا بنا لاحقاً

داخل معبر ايرز .. تفتيش عن بُعد لك وللامتعة .. وعند الضابط اليهودي عليك تسليم هويتك لغاية ما يقرر سيادته .. هل طلعلك تصريح ولا لأ ..

بعد حوالي نصف ساعة قرروا ان يسمحوا لنا بالمرور ,, واعطوا كل منا "تصريخ دخول الى اسرائيل يشمل مبيت" مدته 24 ساعة.. أما الزملاء الآخرين .. كان مصيرهم ان يعود كل منهم الى بيته في غزة!

كل تأخيرة وفيها خيرة


كان المفترض ان نحصل على تصريح الدخول في صباح يوم الأربعا .. لكن حصولنا عليه اتأخر للساعة 1 ونص تقريبا .. بمجرد ما حصلنا على التصريح, تلقينا اتصال بيقول ان مؤتمر الخليل انتهى وخلّص .. وبما انو "هيك هيك" صرنا داخلين, تقرّر تحويل الزيارة الى مقر المفوضية الاوروبية .. ووين كان مقر المفوضية ؟؟ في القدس !! يعني التأخير في صدور التصريح كان السبب الوحيد في تحويل الرحلة الى القدس ورام الله في اليوم التالي!

أرسلوا لنا سوّاق خصوصي عشان يوصلنا من معبر ايرز الى هناك .. السواق طلع بريطاني سبق له الخدمة في افغانستان والعراق والبوسنة .. وكان برّاااام طول الطريق وهو يحكي .. قال انه ممكن يحكي في كل شي الا الدين والسياسة .. لكنه كان بني آدم مسلي على فكرة.

كان اكتر اشي لافت للانتباه طول الطريق .. السيارات الجديدة , اليافطات المكتوبة بالعبري, الاسفلت المش مكسّر , الطبيعة الجبلية (عكس غزة الساحلية) .. باختصار: عالم تاني مختلف جدا عن غزة.

بعد حوالي ساعة ونصف وصلنا لمقر المفوضية الاوروبية في مدينة القدس. تخيلوا انو ساعة ونص بس بتفصل غزة عن القدس!

حابين تزوروا الاقصى؟

هادا كان سؤال مضيفتنا الايطالية , اعتذرت عن عدم تمكننا من حضور مؤتمر الخليل, وارادت تعويضنا بشئ اجمل .. بتصدقوا انا لغاية هاديك اللحظة ما كنتش مستوعبة اني في القدس .. ولما سألتني هادا السؤال قلتلها باستغراب : احنا بنفع نروح هناك ؟؟ قالت طبعا بنفع!

ابو رامي -موظف الاستقبال على ما اظن- اتبرع انه يوصلنا لعند باب العامود وتأسف عن تمكنه من مرافقتنا باقي الطريق لارتباطه بموعد اخر..

فا قام موظف تاني من الامن -حتى ما عرفتش اسمه- قال انو اخوه ممكن يلاقينا مع ابو رامي هناك .. ويتولى مرافقتنا لداخل الحرم .. كان الكل مبسوط فينا وكرمونا آخر كرم عنجد

انتظرنا مع ابو رامي في محطة الباص في شارع حكالنا انو بيفصل ما بين مساكن طلاب الجامعة العبرية وما بين بيوت المقدسيين العرب.. وحكالنا انه بالايام المنيحة كان بيروح على غزة دايما .. وكان بيسأل على اماكن معينة اذا كانت لسه موجودة هناك

اجى الباص .. السواق فاتح على فيروز .. ومعلّق علم ريال مدريد .. وصّلنا لاخر الخط واقرب نقطة لباب العامود ..

وهناك اتقابلنا مع الاخو الي حكيتلكم عليه هو وصاحبه .. كانو شابين صغار في اواخر المرحلة الثانوية .. عملو معانا الواجب وزيادة .. وكانو عاملين زي المرشد السياحي عبر ازقة وحواري البلدة القديمة لغاية ما وصلنا لباحة الحرم المقدسي الشريف

يا الله .. ما احلاكي !

هادا كان رد فعلي اول ما وقعت عيوني على قبة الصخرة ..


كان الوقت ما بين المغرب والعشا .. كان فيه شوية فضا والسما لم تكن قد اسودّت بعد .. كان كل همي اني اعيش اللحظة .. اني املّي عيوني من هاداك المنظر .. اني استنشق الهوا .. كنت بمشي ببطء وبحاول بس اني استوعب المكان والزمان الي كنت واقفة فيه .. معقول هادا حقيقي مش حلم ؟!


لما وصلنا داخل مسجد قبة الصخرة .. كان خطيب المسجد يلقي درسا دينيا على الحاضرين .. وكان فيه سيدات بيحفظوا القرآن واطفال بيسمّعوه لامهاتهم .. كان فيه طيور بتطير بسكينة .. وكان في هدوء غير طبيعي بالمكان .. هناك صليت تلات ركعات المغرب ودعيت بشدة ان يشعر كل من اعرفهم بشعوري في هاديك اللحظة..

اول اشي دلّونا عليه .. مكان ما يُقال ان فيه رائحة الرسول عليه الصلاة والسلام .. الرائحة كانت تشبه المسك والعطور التقليدية القديمة ..


عندما تنظر لأعلى ..بتشوف بوضوح زخارف متقنة بألوان مبهجة .. عمل فني مبهر .. بيخليك مش قادر تغمض عينيك فعلا !


في منتصف المسجد توجد الصخرة المشرفة .. الصخرة الي وقف عليها سيدنا محمد وعرج للسماوات السبع .. كان يعلوها الواح خشبية لزوم بعض الاصلاحات والترميم على ما يبدو .. وتستطيع النزول اسفلها بعدة خطوات .. كان موجود بالاسفل وفد مسلمين من ماليزيا .. مشغولين بالتقاط الصور والاستمتاع بهيبة المكان ..


يا ربي تحمي هالمكان!

بعد من خرجنا من قبة الصخرة .. توجهنا ناحية المسجد الأقصى .. كان آذان العشا على وشك أن يُرفع ..


المسجد الأقصى من الداخل .. كان اقل ابهارا من زخارف قبة الصخرة .. لكنه اوسع واكثر انارة .. وهو المسجد الي صلاتك فيه بتساوي 500 صلاة في غيره .. جلست في ركن لأصلي ركعتي تحية المسجد .. وانتظر رفع آذان العشاء ..


احساسي وانا بجول بنظري في المكان .. كان الخوف الشديد من ان يزول في يوم من الايام :( حتى اني كنت حاسة ان الارض بتهتز من تحتي ! يا الله انت الوحيد القادر تحمي المسجد الاقصى ..
رفع لصلاة العشاء .. وصليت كأني عمري ما صليت قبل هيك ! الاشي اللافت ان عدد المصلين ما كان كتير .. عرفت بعد هيك ان العدد بيكون اكتر بكتير في رمضان ويوم الجمعة ..


شوارع القدس العتيقة

خرجنا من الحرم المقدسي بعد دقائق من نظرات الوداع الصامتة لكل ما في ذلك المكان .. ترى جنديين على باب الحرم .. ولا يسعك الا التنهّد والدعاء ! يملؤك التساؤل الأليم ان كنت ستعود وترى هذا المكان مرة أخرى!

عندما تتجول في حواري وشوارع القدس العتيقة .. بتشوف وجها لوجه معنى الصمود الحقيقي .. ان يكون عندك البديل الافضل ومع ذلك تختار انك تبقى .. بيوت القدس العتيقة صغيرة متلاصقة تحتاج لتجديد وصيانة وتوسيع .. وكلها اعمال ممنوعة .. ومكلفة ان سُمحت لك !


بتسمع عن شعور المقدسي وعن وضعه الغريب .. عن محتل يعطيه الهوية الاسرائيلية ويعامله كمواطن من الدرجة التانية .. وعن اخ فلسطيني من الضفة يعتبره اسرائيليا بسبب اجباره على حمل تلك الهوية!

بترمي السلام على كل من تقابلهم .. تخبرهم انك من غزة .. بعضهم يستغرب وجودك هنا كأنك كائن فضائي .. والبعض يخبرك ان له قريبا هناك ويسألك عن اسم عائلتك لتكتشف ان هناك "نسب من بعيد" بينك وبينه..

بتسمع صوت ناس بتتخانق وشرطة .. بتعرف انه فيه طوشة بين شاب مقدسي ضرب محتل يهودي .. بيقابلك مختار الحارة وبيحكي لمرشدك انه "ياخدهم من طريق تانية عشانكو من غزة بلاش توقعوا في مشاكل"

بتوصل لمكان يطل على الحائط الغربي .. بيسموه "حائط المبكى" وبنسميه "حائط البراق" .. بتشوف بعينك الحفريات .. والنفق الي بيستعملوه الجنود عشان يقتحمو الحرم وقت الاشتباكات .. ومطرح ما كان فيه بيوت لغاية سنة او سنتين فاتو لكنهم هدموها .. وبتشوف اصحاب الطواقي السودا والسوالف منتشرين في كل مكان


كل هادا بتشوفه وبتسمعه وبتحسه ... ولا يسعك الا التنهّد والدعاء !

وصلنا في نهاية المطاف وخرجنا من باب العمود راجعين لمحطة الباصات .. مرشدنا السياحي سبقنا للباص المتوقف بالمحطة ودفعله تذكرتين .. ووصاه يوصّلنا لمطعم الامباسادور ..

يُتبع ..

شاهد هنا المزيد من صور الرحلة.