حكومة غزة: دبّر حالك يا مواطن!






عزيزي المواطن الذي تسكن في قطاع غزة, لا يعجبني حالك مؤخرا, لقد زاد معدّل شكواك وأظنني أكاد أسمعك وأنت تتحسبن على من كان السبب! مع كل مصيبة جديدة تحدث في البلد تلوم الحكومة ويتحول كل واحد فيكم لمحلل سياسي على الفيسبوك, وكله يتفلسف: "الحكومة المفروض ترحل", "الحكومة المفروض تستقيل" وكل من هب ودب ينظّر ويعطي توجهيات وأحكام وهو قاعد ببيته.

تظننون أن تولي مقاليد الحكم شئ سهل, صح؟

طبعا, وقد تحولتم يا شعب إلى كائنات مادية لا يهمكم إلا حالكم واحتياجاتكم التافهة وتناسيتم قضاياكم الكبرى .. قال وظيفة وكهربا ومية قال.. مش عارفين أن الحكومة وراءها شغلات أهم من هذه التفاهات؟!
نعم, الحكومة وراءها مشاغل وهموم كبيرة بكُبر الأمة, تعطي تركيزها الأكبر لخطة تحرير الأقصى, وإنعاش البحر الميت, وتنمية الاقتصاد في شبه جزيرة سيناء, مش فاضية لكم انتم وطلباتكم وكمالياتكم..

أما شعب مادي صحيح..

وبعدين الحكومة تخاف عليكم من الدلع .. هل معقول أن تعطيكم بالساهل هكذا كل ما تطلبون ؟! الحكومة بدها تعمل منكم رجال على قد المسئولية.. بالضبط زي والدك لما يمنع عنك المصروف ويسيبك تتعذب من الفلَـس, ليس لأنه بخيل أو قاسي أو غير قادر على توفير المصروف لا سمح الله, لكن لأنك صرتَ زلمةً كبيراً ولابد أن تعرف قيمة القرش وتعتاد الاعتماد على نفسك..


فش كهربا

يعني طوال السنين الماضية وانتم يا شعب -ماشاء لله عنكم- متأقلمون مع مشكلة الكهرباء .. والحكومة مشكورة سمحت لكل واحد يدبّر حاله ويحل هذه المشكلة كما يشاء.. وفّرت لكم المواتير وسمحت بتداولها بكل الأحجام والالوان.. وكل بيت ومحل فيكي يا غزة صار عنده ماتور واتنين وتلاتة, فلم لا تتركون شركة الكهرباء في حالها؟!
صحيح أن هناك بعض الناس الذين يموتون صعقا من المواتير بسبب جهلهم بقواعد التعامل مع الأجهزة الدقيقة, والبعض الآخر غير قادرين أن يشتروا ماتورا ومازالوا يعتمدون على الشموع, وبعض الآباء المهملين والمستهترين يتركون أطفالهم يلعبون بالشمعة لغاية ما يحرقوا حالهم والبيت .. ولكن هؤلاء هم فئة المواطنين معدومي المسئولية والذين تسعى الحكومة لتربيتهم بمنع المصروف عنهم -كما ذكرت آنفا-.


فش بضايع

معروف أن الشعب الفلسطيني هو شعب الجبارين .. ومن طبعه تحدي الظروف الصعبة.. وقد تمكّن المواطن الغزاوي المبدع من اختراع نظام الأنفاق الذي أثار اندهاش القاصي والداني وتحوّل إلى أمر واقع وشبكة يستحيل تدميرها كليا, تحدّى طائرات الـ إف-16 والجدار الفولاذي ومحور فيلادلفيا .. صارت  الأنفاق اقتصاداً قائماً بذاته ويدخل منها كل ما تشتهون من مأكل ومشرب وملبس وسيارات فور باي فور.. أصبحت منكم فئة مليونيرية بعد أن كانوا عاطلين عن العمل. حتى عادل إمام انبهر وجاب الأنفاق في مسلسل رمضاني -بالرغم من أن كل معلوماته كانت خاطئة- يتحاكى به العالم العربي أجمع!
والحكومة -ربنا يعمر بيتها- ساهمت في دعم هذا الاختراع الوطني, وتقوم بتشجيع ورعاية الحفّارين الموهوبين, بل أنها -وحرصا على سلامة المواطنين- قامت بتنظيم العملية, فلا يتم حفر أي نفق إلا بعد استخراج رخصة وشهادة ميلاد للنفق من البلدية, وكل البضائع مرخّصة ويتم تحصيل الضرائب الشرعية -بما يرضي الله-, أم أنكم تريدون لأي من المغرضين أن يسئ وصف تجارة الأنفاق بأنها تجارة حرام لا سمح الله؟!


فش وظايف

أنتم تعرفون أن المصالح الحكومية ممتلئة عن آخرها بالموظفين المصلين المؤمنين المخلصين, كلهم من خيرة شباب الحزب الوطن, من أين تجيب لكم وظايف شاغرة إضافية؟!
كل ما عملته الحكومة أنها سمحت لكل المانحين بالعمل في مؤسسات الـ NGO's من كل الجنسيات ومن كل الملل, مش بس هيك, لكنها كمان تركت لهم حرية كاملة في اختيار المجالات التي يودون الاهتمام بها, وتحديد مَن مِن فئات الشعب يمكنه أن يستفيد أو لا يستفيد, تركت كل مؤسسة تعمل بسياسة مانحيها الخاصة بكل ثقة وترحيب, شو بدكم أكتر من هيك؟!


فش مية

لا أعرف من أين طلعتم بهذه القصة الجديدة.. ها هي أمامكم مياه البحر المتوسط كلها موجودة تحت أمركم.. لدرجة أنها وصلت للبيوت .. زمان كانت البلدية تمد مواسير المياه الحلوة للبيوت, لكنها كانت غير صالحة للشرب.. وانتشرت الفلاتر المنزلية ومحطات تحلية المياه التي عملت على توصيل المياه العذبة لغاية البيت وادفع يا مواطن.. وكمان سمحت لكل من يخطر على باله أن يحفر بئرا خاصة به ويستخدم المياه الجوفية كما يحلو له.. عمركم سمعتم أن الحكومة قد عارضت أو مانعت أو أغلقت بئرا أو محطة تحلية منهم؟!
صحيح أن الأمر الآن امتد واستفحل لدرجة أن مية البلدية في المواسير صارت مالحة.. لكن أكييد بلدية غزة تقصد أن تسيب الماء مالحاً حرصاً على صحة المواطنين.. المية المالحة مطهرة ومنظفة وأحسن من الديتول..
وكما انتشرت الفلاتر المنزلية لتحلية مياه الشرب في السابق, أصبح هناك نية لدى بعض المواطنين لشراء محطات تحلية منزلية في العمارات لتحلية مياه المواسير.. سعر المحطة الواحدة عدة آلاف من الدولارات لكن الحكومة ستسمح للمواطنين باقتسام التكاليف على سكان العمارة الواحدة.. مساهمة في زيادة حس التكافل الإجتماعي لدى الجيران وبعضهم البعض..


الخلاصة يا عزيزي المواطن, الحكومة يا حرام تشتكي ليلا نهارا من محاربة العالم ومن الحصار الظالم ومن تعاون الأعداء مع الكائنات الفضائية في سبيل اسقاطها وإثبات فشلها .. هل تريد أيها المواطن الصالح الصبور أن تكون جزءاً من هذا المخطط الشرير؟!

يكفيكم دلعا واتكالاً على الحكومة, فأقصى ما تستطيع أن تفعله لحل مشاكلكم هي أن تترككم تتحمّلون مسئولية أنفسكم وحل مشاكلكم كما تريدون..

من الآخر عزيزي المواطن, اترك حكومتك المسكينة في حالها, ودبّر حالك وحل مشاكلك بعيدا عنها!