تساؤلات محرمة عن المقاومة الفلسطينية


* المقال نُشر أولا في موقع ساسة بوست

-----



"سقوط صواريخ على إسرائيل.. وإصابات غزاوية بالهلع! ‫#‏مش_ناقصنا‬"

"السيناريو المعتاد, طائرات حربية ومن بعدها اطﻻق صواريخ توصل ﻻسدود, والمشهد اﻻخير حرب جديدة علي غزة. لوين بدنا انروح؟"

"حرب تاني هو قلبي لسه طاب من الاولاني !!"

"انهزامي انبطاحي زئبقي مطاطي متواطئ,احكو اللي بدكو اياه عني بس انا شخصيا اعصابي مش متحملة حرب جديدة"



كانت هذه مجرد عينة من ردود أفعال البعض ممن أتابعهم عبر موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك ليلة أمس, عقب الإعلان عن إطلاق صواريخ للمقاومة باتجاه الأراضي المحتلة، تلك الأخبار التي وبمجرد إذاعتها، أثارت موجة من الترقب والتخوف مما ستنتج عنه، وقد لا أبالغ عند وصف ردود الأفعال هذه بالذعر، لمجرد احتمال أن تتحول هذه الصواريخ والقصف الإسرائيلي الذي تبعها إلى حرب جديدة تشن على قطاع غزة.

قرأتُ ردود الافعال هذه ولم أستطع ان أمنع نفسي من تساؤل واحد يبدو محرما على البعض مجرد التفكير فيه: هل يرضى الفلسطينيون اليوم عن المقاومة في شكلها الحالي؟

انتبه عزيزي القارئ قبل أن تبدأ بمهاجمة عقلي المريض ونعتي بصفات الإنهزامية والإنبطاحية، فالسؤال هنا ليس عن مبدأ المقاومة ضد الإحتلال، الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه أو يعارضه، ولكن السؤال هو عن الشكل الحالي للمقاومة الذي تتخذه الفصائل المسلحة المتعددة، وبمزيد من التحديد، إطلاق الصواريخ محلية الصنع من داخل قطاع غزة باتجاه الأراضي المحتلة. هل تعتقدون أن عموم الشعب الفلسطيني يوافقون على هذا النمط المكرر: إطلاق صواريخ يتبعه رد اسرائيلي محدود يتبعه المزيد من الصواريخ وينتهي كما نعلم بعدوان واسع النطاق ودمار تام لكل أشكال الحياة في غزة، مرة تلو الأخرى؟

لا يبدو من العدل أن نقارن الوضع الفلسطيني والصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي بأي وضع آخر في العالم، ولكن في كل صراع مسلح بين طرفين، ينبغي أن يتم الفصل بين الجبهات العسكرية والجبهات المدنية؛ بمعنى إن خط المواجهة بين جيشين أو قوتين مسلحتين ينبغي أن يبتعد قدر الإمكان عن المدنيين من الطرفين. إلا أن الوضع الفلسطيني القائم في قطاع غزة وكما هو واضح، يخلط بين الحبهتين العسكرية والمدنية، وغالبا فإن الرد على أي فعل عسكري ينطلق من داخل القطاع يكون استهدافا للمدنيين. نعم هذه دناءة جيش الإحتلال، ولكنك كفصيل مقاوم تعلم أنه من المستحيل أن يتم الفصل بدقة بين ماهو مدني وما هو عسكري في القطاع.

ماهو جدير بالذكر أيضا أنه وفي أي جيش نظامي أو غير نظامي حتى، يوجد جبهة عسكرية وجبهة سياسية تديران معا وبتنسيق كامل خطوات القتال والمواجهة مع العدو، وكثيرا ما يتبع الجناح العسكري قيادته السياسية ويأتمر الجميع بأمر قائد واحد فقط، يكون المسئول الأول والأخير عن الانتصار أو الهزيمة أمام شعبه.

في المقابل دعونا ننظر إلى الوضع الفلسطيني اليوم! فلكل حزب سياسي جناح عسكري، وغالبا ما يختفي التنسيق بين الجناحين ضمن الحزب الواحد، ثم هناك عدة أحزاب وبالتالي عدة أجنحة عسكرية لا تنسق أفعالها فيما بينها، ولا يوجد قرار مشترك يوحد الصف ويقول بوضوح: الآن وقت القتال أو الآن وقت الهدنة!

كل هذا بالطبع، يسبب حالة من العشوائية وانعدام التنظيم في الأفعال العسكرية التي تندرج تحت مبدأ المقاومة، ولهذا نجد أن حركة الجهاد الإسلامي بالأمس قد أعلنت مسئوليتها عن إطلاق الصواريخ، فيما قالت حركة حماس أن هذا الفعل لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني!

أضف إلى كل هذا موقف السلطة الفلسطينية، التي من المفترض أن تكون الجهة الرسمية للتعبير عن الشعب الفلسطيني، فالسلطة الفلسطينية الحالية منقسمة بين تيار حاكم في الضفة الغربية يعتمد المفاوضات أسلوبا لحل الصراع، بل ويستنكر المقاومة المسلحة، وآخر يحكم في غزة ويغلب عليه الطابع المسلح في مواجهة الاحتلال وبالتالي يجرم الطرف الآخر ويعتبره متواطئا، وكلا الطرفين يعتبر أنه صاحب الحق في التحدث باسم الفلسطينيين وفي إدارة الصراع بالطريقة التي يراها مناسبة!

وماذا عن الشعب المحتَل؟ لماذا لا يتم أخذ رأيه في الإعتبار ولا يهتم أحد لمعرفة الطريقة التي يفضلها -هو- لمواجهة الإحتلال؟ ولماذا يحرم على الناس أن يتساءلوا عن جدوى هذا الأسلوب في المقاومة؟ الناس الذين يدفعون الثمن من دمائهم وأرواحهم وجدران بيوتهم وقوت أبنائهم؟ لماذا لا يفهم البعض الرغبة المشروعة لدى أي أب أو أم يريدون أن يربوا أولادهم بهدوء وطمأنينة بعيدا عن ساحات القتال؟ ولماذا يعتبر البعض أن الرغبة في الحياة تكافئ الجُبن والقبول بذل لاإحتلال؟ لماذا يفسر البعض أي صوت معارض لأسلوب حماس أو غيرها في إدارة الصراع على أنه صوت انهزامي متواطئ مع الاحتلال؟

إن الذي يختار أن يكون عسكريا ويسلك مسار المقاومة المسلحة ينبغي عليه أن يفهم رغبة شخص آخر يريد أن يكون طبيبا أو عالما أو مدرسا، شخص يريد أن يكون مدنيا وحسب، بل أن العسكري من واجبه أن يحمي حق المدنيين من أبناء وطنه في الحياة الآمنة.

نعم نحن شعب واقع تحت الإحتلال وليس من المتوقع أن نحيا بأمان في وجود المحتل، ولكنني لا أعلم جيشا انتصر على عدوه ومن خلفه شعب تعب وغير مستعد نفسيا لتكرار المواجهة بنفس الطريقة كل مرة. ولا أدعي إنني أعلم ما الذي تريده الغالبية من الفلسطينيين كحل لهذا الصراع، ولكني أعلم يقينا أن الكثيرين يوافقونني الرأي بأن كثرة الرؤوس وتشتت القيادات بات أمرا غير مقبولا، وأنه لابد من وجود قائد واحد يلتف حوله الفلسطينيون جميعا ويكون هو المسئول أمامهم عما يتم اتخاذه من قرارات مصيرية، قرارات حياة آو موت، دمار أو إعمار، رضوخ أم تحرير.