ماذا يقول الغزيون عن الجدار الفولاذي؟


تنويه : هادي تدوينة طويلة .. اعمل حسابك من اولها

تنويه اخر: الرأي الوارد في هذه التدوينة هو مجرد تجميع لأراء من حولي .. ولا يعبر بالضرورة عن رأيي الشخصي او رأي "كل" سكان قطاع غزة


دقيقة جغرافيا .. على سبيل المقدمة

فلسطين التاريخية مختلفة عن فلسطين الواقع وفلسطين اوسلو\السلطة الفلسطينية
ويمكن فيه كتير من الناس ما زالت تختلط عليهم الصورتين حتى الان

فلسطين اليوم مقسمة .. الى ضفة غربية وقطاع غزة .. المرور بينهما مستحيل تقريبا .. وانتقال الافراد او البضائع بينهما محكوم بارادة التصاريح الاسرائيلية ... ودايما بحب استشهد بالخريطة الي تحت هادي .. لأنها بتوضح حتى تقطُع اوصال مدن وقرى الضفة الغربية بسبب وجود المستوطنات والجدار العازل فيما بينهم .. وهنا بستعير كلمة "الضفاف الغربية" على رأي رسامة الكاريكاتير أمية جحا




ومما زاد الطين بلة في هذا الانقطاع بين الطرفين هو حالة الانقسام السياسي بين فتح وحماس .. والكلام في هادا الموضوع ممكن يطول ..

أما قطاع غزة..فالامر الواقع حاليا هو وجود ستة معابر محكومة بالجيش الاسرائيلي .. بالاضافة الى معبر رفح المتصل بمصر ..




يعني جغرافياً .. بوابات القطاع نحو العالم هما اسرائيل ومصر .. مش الضفة الغربية.. مش الاردن .. مش اي جهة تانية

-------------------------------------


الوضع الحالي للبضائع والتجارة في قطاع غزة

دخول البضائع بشكل رسمي الى قطاع غزة مقنن جدا .. سواء من المعابر الاسرائيلية او معبر رفح الرسمي

في المقابل .. حركة "تهريب" البضائع عبر الانفاق مزدهرة ..

بحيث تشمل كل ما يخطر ببالك من السلع الغذائية , الملابس, الادوية , الادوات الكهربائية, قطع الغيار, الوقود, الاسماك, المواشي احيانا, وجميعها تدخل على شكل بيع\شراء وحركة تجارية بحتة

ولا اظن انها تشمل المساعدات او التبرعات المجانية المقدمة من مختلف المصادر حول العالم لسكان القطاع

الا ان بعض البضائع مازالت شحيحة مثل الاسمنت, الحديد, مواد البناء .. اما لصعوبة نقلها من خلال الانفاق ,, او لغلاء اسعارها اصلا في مصر وبالتالي عدم وجود هامش للربح في "تهريبها"

هادي المواد مازال القطاع بيعاني من قلتها وما زال بيعتمد فيها بشكل كامل على ما يدخل من المعابر الاسرائيلية "بالقطّارة"

ولك ان تتخيل .. توقف قطاعات كبيرة من العمال المهرة عن العمل .. مثل عمال البناء والكهربا والبلاط والزجاج والاثاث وكل الاعمال الحرفية المرتبطة بالبناء .. بسبب شح مواد البناء


نقطة أخرى او مشكلة اخرى لم تستطع الانفاق حلها .. وهي أزمة الاوراق النقدية في القطاع

وهادي بحد ذاتها كارثة أخرى

تخيل معي ان يكون لديك رصيد في البنك لكنك لا تستطيع السحب منه "لأنو فش كاش في البنك"

تخيل بنك ما فيه كاش كفاية !!

ويرجع ذلك الى منع دخول الاوراق النقدية من الجانب الاسرائيلي .. وبالتأكيد لا تأتي هذه من خلال الأنفاق

------------------------------


قبل الانفاق .. وبغياب الانفاق ماذا سيحدث؟


لجأ الفلسطينيون في غزة الى ابتداع الانفاق بسبب الحصار اولا واخيرا

يمكن في البداية كانت الممنوعات فقط هي التي يتم تهريبها .. لكن الآن فهي المنفذ الاساسي لعبور البضائع وما سواها الى قطاع غزة

في الفترة السابقة لوجود الانفاق .. كان القطاع يعاني فعلا من حصار مشدّد .. وكنا بنعاني من عدم توفر كتير من الحاجات الاساسية او الكماليات من السوق .. كنت كتبت عنها بشكل ساخر كمثال عندما نقصت الكوكاكولا في غزة

بالاضافة الى منع دخول الوقود والبنزين وغاز الطهي

ويمكن بتتزكرو لما سيارات غزة كانت بتمشي على زيت القلي .. ولما رجعت الناس تطبخ على الحطب والبابور .. ووصلت في احد الاشخاص انه عمل زفة لما جاب اسطوانة الغاز على البيت .. وواحد تاني ألّف اغنية في مديح بابور الكاز


كل هادي المعانَيات (جمع معاناه) خّفت شوية شوية مع بداية حفر الانفاق بشكل سري بالبداية .. الى ان ازدهرت بشكل علني ووصلت الى اقصاها بعد الحرب الاخيرة على غزة


بغياب الانفاق او عدم ايجاد بديل لاقامة الجدار على الحدود مع مصر .. او رفع الحصار بشكل رسمي .. من المرجح ان يرجع كل شئ كما كان قبل اختراع الانفاق .. اي الى حالة الحصار المشدد


-----------------------------


ما هو انطباع الغزيين عن بناء الجدار "الفولاذي"؟

الكل في غزة بيعرف مقدار المكاسب العائدة على "تجار الانفاق" الفلسطينيين او المصريين على حد سواء ..

ولازم نتفق في البداية ان مصر لو ارادت ان تمنع التهريب بامكانها منعه من عند جسر قناة السويس .. وبدون الحاجة لاي جدران ,, بمعنى ان تجارة الانفاق انتشرت وازدهرت بالتأكيد تحت سمع وبصر المصريين ..  اوبمعنى اصح "تحت غض بصر" السلطات المصرية على الحدود

فيه رأي بيقول دفاعا عن مصر .. ان بناء الجدار ما هو الا "فرقعة اعلامية" لازالة الحرج عن مصر امام التزاماتها الدولية بضبط الحدود .. وانه على ارض الواقع لن يمنع التهريب طالما ان المنفعة والجدوى الاقتصادية متبادلة ..


على الجانب الاخر .. فيه ناس كتير مش مرتاحة لجعل الانفاق شئ طبيعي .. وان حماس استكانت او ركنت شوية بوجود حل الانفاق .. واصبحت مش مستعجلة لانجاز المصالحة وانهاء هذا الملف .. وبالتالي قد تكون من المصلحة الوطنية والسياسية ان تعود حماس "مضغوطا عليها" اقتصاديا لكي تعمل بجدية اكبر في المسار السياسي .. مع العلم ان الضغط الاقتصادي لو عاد فسيكون من نصيب الجميع حماس او غير حماس

وبالتأكيد فيه شريحة من الناس مستفيدة ماديا بشكل كبير .. وهؤلاء ستجدهم يعارضون بشراسة ان يقوم اي جانب أيا كان بـ "قطع" ارزاقهم ..

---------------------------


ماذا يريد الغزيون من مصر؟


المواطن الفلسطيني العادي لا يريد الانفاق لأجل الانفاق ..

بمعنى ان الانفاق ليست هي الغاية بحد ذاتها


وبالتالي فإن المواطن العادي لن يهتم اذا تم -على سبيل المثال- اقامة الجدار على الحدود .. وفي نفس الوقت فتح المعابر للحركة التجارية .. مادامت ستصله بالنهاية اغراضه الاساسية .. وستستمر تجارته .. وسيبقى بيته مفتوحا

وبالتالي .. كان ممكن تفادي كل هذه الضجة بالاعلان عن ان منع الانفاق سيتزامن مع تنظيم الحركة التجارية على سبيل المثال


باختصار .. فإن معظم ما سمعته من آراء .. فهو إما يشكك في ان يمنع الجدار استمرار عمل الانفاق .. او يريد منع الانفاق لتنظيم حركة تجارية محترمة فوق الارض ..

وفي اسوأ الاحتمالات .. وهي ان تتوقف الانفاق وان تستمر حالة الحصار كما هي .. يشترك الجميع بالقول ان ذلك لن يمنع الفلسطينيين من ابتداع وسائل جديدة للحصول على ما يحتاج


---------------------------


خلاصة القول


حالة الغضب عند بعض المصريين من افعال حكومتهم قد يكون مبررا

لكن الصورة لدينا ليست بذلك السواد

انا شخصيا ببداية انتشار الخبر كنت اشعر بالاسى والغضب .. لكن بقليل من اعادة التفكير وجدت انو فعلا ليس من المنطقي ان يصبح "التهريب" هو الحل .. بينما المشكلة الاساسية (الانقسام) مازالت كما هي .. واجلا او عاجلا كان لابد من اتخاذ موقف ما لتحريك المياه الراكدة بعد ركون بعض الاطراف الى حل الانفاق!


الحل من وجهة نظري ان يتم اعادة فتح ملف المصالحة وبجدية اكبر هذه المرة من اجل انهاء الانقسام والحصار .. وعندها تنتفي كل الاسباب التي أدت الى اختراع الانفاق من البداية


بانتظار معرفة تعليقاتكم .. وبالتأكيد كل وجهات النظر مرحّب بها .. وقابلة للنقاش