الخطوط الوهمية



لم تكن قصتهما قصة عادية .. ولم يكن زواجهما تقليديا بالمرة

قصتهما لا تتكرر كثيرا .. لكنها تحدث في خيالات اشخاص عديدين

تصلح هذه الحكاية لأن تكون قصة أحد الافلام الرومانسية الحالمة , التي يشاهدا المتفرج مستمتعا .. هامسا في قرارة نفسه ان "هذه قصة مستحيلة .."

جمعهما القدر في مكان بعيد عن مدينة كل منهما .. هناك في عمـّان .. كان اسم عائلة واحد كان هو الشئ الوحيد المشترك في جوازي سفرهما المختلفين كل الاختلاف

فهي فلسطينية من سكان غزة .. تحمل جواز السفر الفلسطيني ..

هو فلسطيني أيضا .. من عرب الـ48 .. عربي مسلم لكنه يحمل جواز السفر الاسرائيلي.. كغيره من الاقلية العربية التي استمر وجودها في فلسطين التاريخية .. التي اصبحت تتبع دولة اسرائيل بعد عام 1948

تعارفا سريعا وتحابّـا .. عرف كل منهما ان نصفه الآخر موجود في قلب الشخص الثاني

اتفقا على الزواج .. وباركت أسرتيهما ارتباطهما المستحيل

يستوعبان ان الحدود تفرق بين مدينتيهما .. كما تفرق بينهما السياسة والمفاوضات وشئون المحتلين

يقلقان قليلا ثم لا يباليان .. فما هي الحدود إلا خطوط وهمية رسمها أشخاص كلهم ميتون؟

في عمّان .. ألبسها خاتما فضيا .. عندما تنظر اليه للوهلة الاولى قد تظن انه خاتم احدى الجدات من حيفا .. او ربما يكون خاتم حورية سكنت بحر يافا في قديم الزمن

ثم عادت هي الى غزة .. وعاد هو الى مدينته في المثلث

وبعد مرور ما يقارب العام على زواجهما .. تتسائل الام امام ابنتها : وين كان عقلي لما وافقت على اشي زي هيك ؟ احنا اتسرعنا في الموافقة على تزويجك بهذا الشكل ..

ترد عليها ابنتها : لا فائدة الآن من هذا الكلام .. هو زوجي ولن ارضى بغيره حتى لو بقيت هكذا طول عمري

هو يرى اقاربه واصحابه يتزوجون وينجبون ويستقرون الواحد تلو الاخر .. وتقرر والدته في يوم من الايام ان تجبره على الزواج بأخرى .. فليس من المعقول ان يبقى هكذا منتظرا المجهول
وعندنا تنظر في عينيه تتراجع عن قرارها .. هي فقط تريد ان تراه سعيدا .. فتسكت عن الكلام .. وتسأله عما يفضل ان يتناوله اليوم على الغداء

حياتها مستمرة .. لم تتوقف يوما عن العمل في احدى الوظائف المحترمة .. يشهد الكل على تفوقها ونجاحها
.. وهي لا تتوقف عن كونها تلك الانسانة الجميلة المستبشرة خيرا على الدوام .. تتطلع بوجهها الجميل وابتسامتها الجذابة وعينيها المكحلتين نحو الفجر الآتي حتما
وعندما تتحدث اليها .. تجدها لا تكف عن لمس خاتمها الفضي .. تلعب به كأنها تحك خاتم المارد .. تتمنى في قرارة نفسها لو أن الحدود تختفي ليوم واحد فقط .. فتذهب اليه او يأتي اليها .. فما هي الحدود إلا خطوط وهمية رسمها اشخاص ميتون ؟؟



* بطلة القصة تعيش اليوم بسعادة مع زوجها وابنها في مدينة يافا ..