ديوان غزة يلتقي الأديب الفلسطيني/ إبراهيم نصر الله





ضمن فعاليات نادي تبادل الكتب الذي ينظمه ديوان غزة, تم إجراء لقاء مع الكاتب الفلسطيني الرائع أ. إبراهيم نصر الله يوم السبت الماضي 30 يونيو 2012 في مدينة غزة. تم اللقاء عبر الانترنت صوتاً وصورة, مع الشكر والامتنان لمخترع برنامج السكايب!

حضر اللقاء ما يقرب من أربعين شاباً وفتاة من أصدقاء ديوان غزة ونادي تبادل الكتب, والمعجبون بأدب أ. إبراهيم نصر الله شاعراً وروائياً, والذي علمتُ للمرة الأولى أنه أيضاً فنان تشكيلي محترف, وقام بإدارة الجلسة صديق الديوان محمود ماضي, وهو من قام أيضا بالاتفاق مع أ. إبراهيم وترتيب اللقاء معه.

امتاز اللقاء بالبساطة, وأحسسنا جميعا بشئ من السعادة ونحن نتحدث بتلقائية وبلا تكلف مع هذا الأديب الذي أحببناه من خلال كتاباته, وبالرغم من أننا قد أرهقناه بالأسئلة إلا أنه كان كريما معنا وأجابنا عن كل تساؤلاتنا.

قال لنا أن المسألة ليست أن نكتب وحسب عن فلسطين, وإنما المهم أن نكتب بشكل جيد "أدبياً" عن فلسطين. فعندما يتم ترجمة الأعمال الأدبية المختلفة للغات أجنبية, فإن القارئ يحب أن يقرأ رواية جيدة وقوية وتتحدث عن فلسطين, وليس لمجرد أنه متضامن مع قضيتها.

سألته الصديقة نور السوسي عدة أسئلة, كان من بينها أن يسدي بعض النصائح لمحبي الكتابة من المدونين الشباب ولمن يرغب في احتراف الكتابة. قال أن الأفكار تتجدد عند الكاتب عندما يجدد مصادر اطلاعه وقراءاته من ثقافات مختلفة وأشكال أدبية متنوعة.. الكتابة كالحُب, ليس لها قواعد محددة, لكنها تتطلب الكثير.
قال أن العديد من الأفكار المبدعة تخرج أثناء القيام بعملية الكتابة .. وصوّر لنا تشبيهاً رائعاً بالفنان الذي يخلط الألوان ويعلم نظرياً أن اللونين الأحمر والأصفر عند خلطهما ينتج اللون البرتقالي, إلا أنه أثناء عمله على لوحة ما, قد تظهر معه درجة استثنائية من اللون البرتقالي لم يكن ليتخيلها قبل البدء بالعمل. وهكذا تكون الكتابة.

سألتْه نور أيضا عن اختياره لاسم الملهاة الفلسطينية (مجموعة من ست روايات هي: زمن الخيول البيضاء, طفل الممحاة, طيور الحذر, زيتون الشوارع, أعراس آمنة و تحت شمس الضحى) ,وعمّا إذا كان من المناسب إطلاق تسمية "الملحمة" على هذه الروايات.. قال أنه في البداية خشي من استخدام كلمة "الملهاة" خوفاً من الإعتقاد بأنها لفظة مرادفة للكوميديا أو التسلية, وبعد البحث تبين أنها أبعد ما يكون عن ذلك.. ومن بين المعاني التي تحملها هذه الكلمة: لها بالشئ أي أولع به, أو تلهّى عنه ونسيه وتشاغل عنه, وجاء ذكرها في القرآن الكريم: "لاهية قلوبهم" بمعنى متشاغلة عما يُدعوْن إليه, واللُّهية أيضاً هي أعظم العطايا.
كما أضاف أنه لم يُرد أن يطلق عليها تسمية "المأساة الفلسطينية" ... حتى لا يحكم عليها القارئ مسبقاً بأنها مجموعة كتابات مأساوية وحسب. فبالرغم من مأساوية القضية الفلسطينية من بُعدها التاريخي والسياسي, إلا أن الروايات التي كتبها إبراهيم نصر الله تحتوي على الكثير من الجوانب في الحياة الإجتماعية الفلسطينية وعاداته ويومياته البسيطة, وبالطبع ليست كلها مأساوية.
أما تسمية "الملحمة" فقد أقرّ بأن عدداً من النقاد قد أطلق هذه التسمية على روايتيْ "زمن الخيول البيضاء" و"قناديل ملك الجليل", ولكنه يرى أن القراء والنقاد هم من يستطيعون أن يحكموا ويمنحوا هذه التسمية لرواياته -وليس هو-.

سؤال آخر مثير للاهتمام سألته الصديقة رولا أبو هاشم, عن إمكانية تحوّل أعماله الأدبية إلى أعمال درامية سينمائية أو تلفزيونية, والحق أنني كنت قد سمعت فعلا عن نية تحويل رواية "زمن الخيول البيضاء" لمسلسل, فجاءت إجابته مفاجِئة, إذ أخبرنا عن تعثّر تلك المحاولات لمدة أربع سنوات بعد أن اشترت إحدى شركات الإنتاج حق عرض الرواية وكان من المفترض أن يقوم بالإخراج المخرج السوري/ حاتم علي.. ولكن للأسف أحجمت هذه الشركة عن استكمال إنتاج المسلسل على ما يبدو بسبب تعقيدات سياسية, بل ربما لا يحبذ أحد أن ينتج عملاً تلفزيونياً عن فلسطين في الوقت الحالي.. لدرجة أن تم عرض الرواية على فضائية أخرى وأعجبت بها جداً,ولكنهم اشترطوا أن يتم تغيير مكان الأحداث وكأنها حدثت في بلد آخر غير فلسطين!

بعدها سأله علاء أبوعطيوي عن رأيه في الكتابة بالعامية ومقارنتها باللغة العربية الفصحى, فقال أن هذا النقاش قد دار كثيراً ومازال يدور في الوسط الأدبي, إلا أنه يفضل الكتابة بالفصحى, لأنها هي اللغة. خاصة ومع تعدد اللهجات حتى ضمن البلد الواحدة. لكنه وجد أن الحل في أن يتم كتابة أجزاء وعبارات قصيرة ضمن الحوارات على لسان الشخصيات في الرواية باللهجة العامية, ولم ينفِ أن القارئ سيرتبط أكثر بالشخصيات ويشعر بالألفة معها عندما يجدها تتحدث بلهجة وبمصطلحات يألفها ويعرفها.

وعن قيمة الجمال في الأدب كان سؤال الصديق يوسف الجمل, ثم أجاب أ. إبراهيم نصر الله بأن الكاتب الجيد عليه أن يحفظ ويرمم ذلك الجمال الموجود في بلادنا الجميلة وفي الإنسان الفلسطيني كذلك من خلال كتاباته. بل أنه من الكارثي أن تتحول صورة الفلسطيني إلى ضحية فقط, او مقاتل فقط, أو سياسي فقط. التحدي هنا هو أن ترمم الجمال لكي يبقى الإنسان الفلسطيني كما هو بصفاته كلها. وأضاف أن أسوأ ما يحدث إعلامياً هو أن يتم تلخيصنا (كشعب) فقط ببعض الصفات دون غيرها.

المدون ياسر عاشور سأل بعد ذلك عن الكاتب المفضل لدى إبراهيم نصر الله, وعن روايته المحببة من بين رواياته. أجاب أن الكاتب لا ينبغي أن يكون لديه كاتب واحد مفضل كغيره من القراء, وهو يعتبر أن كل عمل جديد يقدر على مفاجأته هو عملّ مفضل, وكل كتابة جيدة هي النموذج الأفضل بالنسبة له. أما روايته المفضلة إليه من بين أعماله, فأجاب متندراً على تلك المقولة التي يقولها المشاهير عندما يتم سؤالهم عن العمل المفضل لديهم فيجيبون: 'كلهم ابنائي'.. أما هو فيفضّل أن يقول 'كلهم أنا'.. فكل عمل أدبي يكتبه الكاتب شعراً أو روايةً أو نثراً فهو يحمل جزءاً من روح الكاتب وأفكاره وآرائه وتأملاته. إلا أنه عاد وأخبرنا أنه يحب روايته "شرفة الهذيان" بشكل خاص, وقال عنها: "ذهبتُ في هذه الرواية لأبعد حد ممكن ويصعب علي أن أذهب أبعد من ذلك في أي عمل قادم, من حيث الأشكال الأدبية المختلفة التي تضمنتها الرواية. لذلك أحبها وأفضّلها من الناحية الفنية."

ثم جاء دوري وسألتُه عن تأثير الأديب الفلسطيني في السياسة, وتساءلتُ عن دور المثقفين والأدباء الفلسطينيين اليوم في الحياة السياسية والوضع الداخلي الفلسطيني البالغ السوء, فقال أن الأدب المقاوم الفلسطيني في الماضي (أدب وفن تشكيلي) قد ظهر مبشّراً قبل بداية الثورة الفعلية (في ستينيات القرن الماضي). وتكمن أهمية أي كتاب في أن يكون متجدداً وعلى درجة عالية من الحرفية لكي يمارس دوره النضالي على مر السنوات, وذكر مثالاً الأديب الفلسطيني غسان كنفاني, حيث كتاباته مستمرة ومؤثرة إلى وقتنا هذا لأنها على مستوى عالٍ فنياً. الكاتب الفلسطيني يخطئ عندما ينخرط في نضاله لحد عدم الانتباه للمستوى الفني لمَا يكتب.
أما بعد اتفاقية أوسلو -التي برأيه لا توجد مصيبة أكبر منها حدثت لفلسطين. ولا حتى مشكلة الانقسام, فهي نتيجة من نتائج أوسلو- أصبح معظم هولاء الكتاب يعملون ضمن مؤسسات السلطة الفلسطينية, وبالتالي لا يستطيعوا أن يعارضوها بشكل قوي. وأضاف أن حجم القمع الذي مورس على المثقف الفلسطيني مؤخرا يُعد كارثياً.
أما الأدباء والكتّاب والمتثقفون المقيمون في الخارج .. فالمشكلة لديهم أكبر, إذ لا يملك الكاتب الفلسطيني أي منابر ليتحدث ويكتب من خلالها كصحف او قنوات فضائية مستقلة .. لا في الضفة ولا في غزة ولا في العالم العربي.. بل ربما لا يستطيع هو أن ينشر مقالاته إلا عبر صحيفتي السفير والقدس العربي فقط!

وفي كلمته الختامية التي وجهها إلينا, قال أننا لدينا ثغرات عديدة يجب علينا أن نملأها بالكتابة. وقال: "عندما كتبتُ رواية زمن الخيول البيضاء, كنتُ بحاجة لوجودها كقارئ يريد أن يعرف ماذا حدث للفلسطينيين قبل النكبة, ولذلك قمت بكتابتها."
والجميل أن الكاتب إبراهيم نصر الله يلاحظ أن معظم قرّاء رواياته من جيل الشباب, ويفخر بأن تؤثر فيهم كتاباته. وذكر لنا موقفاً ما, عندما قابله شاب فلسطيني يعيش في الشتات وقال له:" أنا فلسطيني كنتُ سابقاً متعاطفا مع قضية فلسطين, وبعد ما قرأتُ رواياتك صرتُ أحب فلسطين''.

وللمدونين والكتّاب الشباب قال: "أنتم في غزة تعملون وتكتبون في أصعب الظروف. ولكنني أتذكر عندما كنتُ صغيراً في مخيم الوحدات كنت أعاني ظروفاً صعبة, ربما يكون جيلكم محظوظاً أكثر لتوفر وسائل الاتصال والانترنت, وتستطيعون الوصول لكنوز من الكتب والروايات لم يكن متاحاً لجيلنا أبداً أن يتحصلها أو يتطلع عليها.. ثقوا أن من يريد الكتابة لن يستطيع أي شئ أن يمنعه من ذلك. وأنا واثق من وجود أشياء جميلة ورائعة ستكسر كل الحدود وتصل بجمالية عالية إلى ما ورائها."

وفي نهاية حديثه معه, قرأ لنا من قصيدة عنوانها: 'العابر' يمكنكم الاستماع إليها عبر هذا الفيديو:



للمزيد عن الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله: صفحته في موقع جودريدز

لمشاهدة صور اللقاء والتعليق عليها: ألبوم الصور في صفحة ديوان غزة