الأناشيد الوطنية العربية.. كل نشيدٍ قصة


*هذا المقال نُشر أولا على موقع ساسة بوست
------------


المصدر: sowarr.com

لكل دولة في العالم رموز وطنية تعطي للبلد طابعا مميزا في المحافل الدولية, ويلتزم أبناؤه باحترامه وترديده في المناسبات المحلية ويحفظها الأطفال منذ الصغر. منها العلم والنشيد الوطني.
ويعد النشيد الوطني الهولندي أقدم نشيد وطني على مستوى العالم, حيث تمت كتابته وصياغة موسيقاه واعتماده رسميا منذ عام 1568 وإلى وقتنا هذا.
ولكن ماذا عن الأناشيد الوطنية العربية. وما هي القصص المميزة التي يرويها كل نشيد منها؟

أناشيد اختيرت بمسابقة وطنية

اختارت عدة دول عربية اللجوء إلى وسيلة المسابقة الوطنية لاختيار نشيدها الوطني, بحيث تتيح الفرصة لأكبر عدد من الشعراء والموسيقيين في بلادهم, وأحيانا من بلاد عربية أخرى, للتعبير عن حبهم لوطنهم بالكلام والموسيقى. من هذه الدول: لبنان, سوريا, ليبيا, السودان, تونس (النشيد السابق), والكويت.
أما النشيد الوطني اللبناني (كلنا للوطن) فهو الأقدم الذي نتج عن مسابقة وطنية, وهو أيضا النشيد الأٌقدم من حيث تاريخ اعتماده, وعدد السنوات التي استخدم فيها. فقد أُعلنت مسابقة اختيار النشيد الوطني عام 1926 عقب إعلان الجمهورية اللبنانية, وفيها فاز الشاعر اللبناني رشيد نخلة, وفي العام التالي صيغ لحن النشيد وتوزيعه على يد وديع صبرا, مدير المدرسة الموسيقية الوطنية اللبنانية في حينها, ومازال نفس النشيد مستخدما إلى الآن.
ويليه من حيث القدم النشيد الوطني السوري (حماة الديار), فقد تم اختياره واعتماده نشيدا وطنيا للجمهورية العربية السورية عام 1938 في مسابقة وطنية. وهو من كلمات الشاعر السوري خليل مردم بك, ووضع موسيقاه الملحن اللبناني محمد فليفل (هو أيضا ملحن نشيد موطني). الجدير بالذكر أن استخدام النشيد توقف وقت إعلان الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958, إلا أنه أعيد ثانية بعد الانفصال عام 1961 ومازال مستخدما حتى الآن.
كذلك حدث مع النشيد الوطني الليبي (يا بلادي), وهو النشيد الرسمي للمملكة الليبية منذ عام 1955 واختيرت كلماته بمسابقة وطنية فاز فيها الشاعر التونسي البشير العريبي, ولحّنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. توقف العمل بالنشيد في زمن الرئيس السابق معمر القذافي منذ عام 1969 وحتى قيام الثورة الليبية عام 2011, حيث أعاد الثوار الليبيون استخدامه مع العلم الملكي الليبي, ويعتمده الآن المجلس الوطني الإنتقالي في ليبيا.
وفي نفس العام أيضا تم اختيار القصيدة التي أصبحت فيما بعد النشيد الوطني السوداني (نحن جند الله, جند الوطن) بمسابقة عامة كانت مخصصة في البداية لاختيار قصيدة تشيد بالقوات المسلحة السودانية عام 1955, ومن ثم أضيف إلى القصيدة اللحن عام 1958 لتصبح نشيدا متكاملا وسلاما جمهوريا. النشيد من كلمات الشاعر السوداني أحمد محمد صالح, وألحان العقيد في سلاح الموسيقى أحمد مرجان.
أما في حالة تونس, فقد اختير النشيد الوطني التونسي السابق (ألا خلّدي) عام 1958 زمن الرئيس الحبيب بورقيبة بعد مسابقة نظمتها وزارة التربية والتعليم, وهو من كلمات الشاعر التونسي جلال الدين النقاش, ووضع موسياقه الملحن صالح المهدي, الذي كان يشغل منصب مدير المعهد الموسيقي بتونس في حينها. توقف العمل بهذا النشيد عام 1987 بعد قدوم زين العابدين بن علي, (خاصة لاحتوائه على إشارة واضحة لإسم الحبيب بورقيبة في أحد أبياته) ليحل محله نشيد (حماة الحمى) حتى الآن. والنشيد يدمج بين كلمات الشاعر المصري مصطفى صادق الرافعي والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي, ومن ألحان أحمد خير الدين.
وفي الكويت, أقيمت مسابقة تم فيها اختيار النشيد الوطني الكويتي (وطني الكويت) من كلمات الشاعر الكويتي أحمد العدواني, وألحان الموسيقي الكويتي إبراهيم الصولة, وأذيع للمرة الأولى بالتزامن مع احتفالات اليوم الوطني في الكويت عام 1978, وما زال مستخدما إلى الآن.

موسيقى النشيد دون كلمات, لعدة عقود!

يوجد للنشيد الوطني السعودي الحالي (سارعي) قصة جديرة بالإهتمام, حيث أنه النشيد الأول الذي يفصل بين موسيقاه وكلماته ما يقرب من أربعين عامًا. كُلف الملحن السعودي القدير طارق عبد الحكيم بوضع سلام ملكي ليتم عزفه أثناء زيارة قام بها الملك عبد العزيز للقاهرة عام 1947 بحسب البروتوكولات المتّبعة. ومنذ ذلك الوقت استمر وجود السلام الملكي بالموسيقى فقط, إلى عام 1984, وعندها تم تكليف الشاعر السعودي إبراهيم الخفاجي بوضع كلمات مناسبة للحن, واعتمد رسميا منذ ذلك الحين وحتى الآن.
أما في المغرب فقد حصلت نفس الحالة ولكن بقصة مختلفة تماما, فقد تم وضع الموسيقى الخاصة بالنشيد الوطني المغربي عام 1956 على يد الموسيقي الفرنسي ليو مورجان, والذي كان رئيس فرقة الموسيقى العسكرية لقوات الحماية الفرنسية على المغرب (الفترة التي سبقت إعلان الإستقلال). وبقي النشيد مستخدما بالموسيقى فقط متى عام 1970. ففي ذلك العام تأهلت المغرب لكأس العالم في المكسيك, وعندها تم تكليف الشاعر والأديب المغربي علي الصقلي الحسيني ليضع كلمات مناسبة للحن بحيث يستطيع اللاعبون ترديدها كما يجري عادةً قبل كل مباراة.

أناشيد وطنية لأكثر من دولة عربية

تكرر كثيرا أن يتم استخدام نفس النشيد الوطني بواسطة أكثر من دولة عربية في الوقت ذاته أو على فترة متباعدة من الزمن.
فمثلا, نشيد (والله زمان يا سلاحي), وهو من كلمات الشاعر صلاح جاهين, وألحان كمال الطويل كان النشيد الوطني المصري في الفترة من 1960 إلى 1979, وكذلك النشيد الوطني العراقي في الفترة من 1963 إلى 1981.
اللطيف أن استخدام هذا النشيد قد توقف في كل بلد لسبب مختلف عن الآخر. ففي مصر استمر استخدامه حتى عام 1979, ثم طلب الرئيس أنور السادات من الموسيقار محمد عبد الوهاب العمل على نشيد وطني جديد. وبالفعل قام محمد عبد الوهاب بإعادة توزيع نشيد (بلادي بلادي) من كلمات محمد يونس القاضي (متأثرا بإحدى خطب الزعيم مصطفى كامل) وألحان سيد درويش, وهو أحد أقدم الأناشيد الوطنية التي نتجت عن هذا الثنائي ويعود تاريخه إلى عام 1923.
أما في العراق, فقد جاء تغيير نشيد (والله زمان يا سلاحي) بعد قدوم صدام حسين عام 1981, ورغبته في استخدام نشيد غير مرتبط بمصر, وبالفعل تم اعتماد نشيد (أرض الفراتين) من كلمات الشاعر العراقي شفيق الكمالي, وألحان اللبناني وليد غلمية.
النشيد الآخر الذي استخدم في بلدين عربيتين هو نشيد (موطني), من كلمات الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان, وألحان اللبناني محمد فليفل. وهو نشيد تراثي فلسطيني يعود لعام 1934, استخدم نشيدا وطنيا فلسطينيا منذ زمن الانتداب البريطاني على فلسطين, وهو النشيد الوطني العراقي المستخدم حاليا منذ سقوط نظام صدام حسين واعتمد رسميا عام 2005.
الجدير بالذكر أن قطاعا واسعا من الشعب الفلسطيني مازال يعتبر نشيد (موطني) بأنه النشيد الوطني الرسمي لفلسطين, بالرغم من اعتماد نشيد آخر بشكل رسمي هو نشيد (فدائي), من كلمات الشاعر الفلسطيني سعيد المزين, وألحان الملحن المصري علي إسماعيل. وقد تم اختياره نشيدا رسميا لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1972 ومن ثم للسلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2005, ويقال أن اعتماده جاء بسبب إعتراض الإسرائيليين على نشيد موطني, واشتراطهم تغييره قبل بدء المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

روابط الإستماع للأناشيد الوطنية العربية المذكورة في المقال

كلنا للوطن (لبنان), حماة الديار (سوريا), يا بلادي (ليبيا), نحن جند الله جند الوطن (السودان), ألا خلّدي (تونس), حماة الحمى (تونس), وطني الكويت (الكويت), سارعي (السعودية), النشيد الوطني المغربي, والله زمان يا سلاحي (مصر والعراق), موطني (فلسطين والعراق), بلادي بلادي(مصر), أرض الفراتين (العراق), فدائي (فلسطين)