هذا ما علّمني إياه صغيري ذو الثلاثة أشهر


*نشر هذا المقال أولا على موقع ساسة بوست
-------------



يتم اليوم ابني الصغير شهره الثالث في هذه الحياة. ثلاثة أشهر سبقتها تسعة, سبقتها أعوام من الإنتظار, سنوات من تأمل أبناء الأصدقاء, والاعتناء بأبناء الأقارب. كنتُ كغيري من الصبايا أتلهف لليوم الذي سأصبح فيه أمًا.
الآن وقد أصبحت, والتقيتُ بمسئولية الأمومة وجهاً لوجه, وفي كل مرة أكاد أفقد فيها صبري خلال محاولة يائسة لترجمة معنى بكاء الصغير, أو إيقاظه لي من عمق النوم - الذي أكنّ له مكانة خاصة يعلمها المقربون مني- في كل مرة من هذه اللحظات الصعبة أذكّر نفسي وأقول: اسكتي واحمدي ربنا, واشكريه على النعمة التي أنعم بها عليكِ بعد طول انتظار.
وفي لحظات أخرى ملائكية, أجدني أتأمل الصغير أثناء نومه بهدوء, أستغرب أن هذا الكائن هو ابني أنا! ولا أخبركم عن عدد المرات التي استيقظت فيها فجأة, ولجزء من الثانية يملؤني شعور بالدهشة لوجوده بجانبي!
ثلاثة أشهر تعرفت فيها على مشاعر لم أكن أعلم أنها موجودة بداخلي, بل وتعلمتُ فيها دروسًا في الحياة, لم يكن بالإمكان أن أتعلمها على يد أستاذ آخر, غير ابني.
صحيح أن الأمومة غريزة, ولكنها لا تهبط كالوحي عند الولادة, بل تستدعي القراءة والتدريب والاجتهاد, وتكبر بمرور الوقت, ولا تعني بالضرورة أنني أقوم –دائمًا- بفعل الصواب. الأمومة مهارة أتعلمها بطريقة التجربة والخطأ.
الأمومة مسئولية كبيرة, تتطلب من المرأة أن تضع جانبًا راحتها ورغباتها وأحلامها الشخصية, لكي يصبح وليدها على قمة أولويتها, على الأقل في الأشهر الأولى من عمره. وجود طفلي في حياتي يُشعرني بالامتنان لكل الفرص التي حصلتُ عليها ولكل التجارب التي خضتها في الفصول التي سبقت من حياتي, فهي التي تجعلني الآن أكثر استعدادًا لأن أكرّس وقتي كله في الاعتناء بصغيري وخوض مغامرة الأمومة, دون أن أشعر بالتذمر لشئ قد فاتني, ودون أن أشعر أن عمري قد سُرق مني. ذلك الشعور الذي أعلم أنه يلازم الكثير من النساء اللاتي حكمت عليهنّ ظروفهنّ أن يصبحن أمهات في عُمرٍ مبكر.
علّمني طفلي الصغير الذي يبدو معتمدًا عليً اعتمادا كاملا أنني أنا أيضًا اعتمد عليه. فابتسامة واحدة منه تحسّن مزاجي, ونظرة متأملة من عينيه الصغيرتين تُشعرني بالأمل والطمأنينة, وبكفه التي تتمسك بإبهامي يتضح أمام عينيّ الهدف من وجودي في هذا العالم.
لقد اكتشفتُ أن هناك تشابهًا كبيرًا بين الحياة وبين ابتسامة الأطفال وبكائهم. بكاء الأطفال و"نكدهم" يأتي مجانًا ويكاد يكون الوضع التلقائي لهم, وفي المقابل فإن عليك أن تتعب وتلعب وتتشقلب وتصنع من نفسك بهلوانًا في سبيل الحصول على ضحكة طفل مجلجلة تملأ الروح فرحًا وبهجة. وهكذا هي الحياة, تأتي الهموم إليكَ تباعا فتظن أنك لن تسعد يومًا, ولأجل السعادة نسعى ونسهر ونسافر أميالا بحثًا عن الرضا والسعادة.
علمني صغيري أيضًا أن أحافظ على قدرتي على الاندهاش وألا أفقدها أبدًا. ففي الاندهاش متعة عظيمة, من فقدها فكأنما فقد الطفل الذي بداخله.
وفي لحظات الاعتناء بطفلي, يدهشني كم يولد الواحد منا ضعيفا معدوم الحيلة لا حول له ولا قوة, ويدهشني أكثر الكبار الذين يظنون أنهم أقوى وأعظم مَن خَلق الله, أولئك الكبار الذين يظلمون ويستقوون ويتجبّرون على العباد, ولا يذكرون كم كانوا في يوم من الأيام في أحضان أمهاتهم ضعفاء مساكين!
لقد أجبرتني الظروف على خوض تجربة الولادة والأمومة في بلد الغربة, دون وجود والدتي أو والدة زوجي إلى جانبي. ولعل هذا ما جعلني أدرك حقيقة مهمة كانت ستكون غائبة عن عيني لولا الغربة. تلك الحقيقة بأن أمومة المرأة لا تكتمل ولا يمكنها أن تؤدي دورا ناجحا إلا بوجود زوج متعاون ومستعد للمشاركة الإيجابية في حياة المولود الصغير. لقد كان وجود زوجي إلى جانبي بمثابة طوق النجاة ويد العون منذ اليوم الأول. وفي كل يوم عندما أتأمل زوجي في أوقات اعتنائه بطفلنا وملاعبته, أجد قلبي عامرا بسعادة عجيبة, لا يماثلها أي شعور آخر.
طفلي الصغير هو معلمي. وكما يقول الإعلان الشهير, الأمومة ليست سهلة, ولكنها تستحق, وهي تجربة غنية بالمشاعر والدروس للوالدين كما هي للمولود, لمن كان له قلب يشعر, وعقل يتأمل.