#مجزرة_الرواتب .. محاولة للفهم


لا شك بأن موضوع الساعة الذي يتحدث عنه الجميع في قطاع غزة هذه الأيام، هو قرار حكومة رامي الحمد الله قبل عدة أيام، بتقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة بنسبة تصل إلى 30% من قيمة رواتبهم دفعة واحدة.. والمبرر الذي ساقته الحكومة هو نقص الدعم من الدول المانحة والضائقة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية في موازنة عام 2017.

هناك جوانب عديدة ومتشعبة في هذا القرار الذي يوثر شكل مباشر على 60 ألف موظف وأسرهم، هؤلاء الذين يعيشون مشكلة حقيقية عمرها من عُمر الانقسام الذي طالت سنواته وسيُتم عامه العاشر في شهر يونيو القادم، الأمر الذي دفع الآلاف منهم للتظاهر والاعتصام في غزة، مهاجمين محمود عباس وحكومة رام الله ورئيسها.. ولأول مرة تسمح حماس لمثل هذا العدد بالتظاهر في غزة، طبعًا، لأن الهتافات ضد غريمهم، وليست ضدهم هُم.



أحاول في هذه التدوينة أن أكوّن رأيًا حول هذا الموضوع.. ولا أنكر أن هناك العديد من التفاصيل التي تنقصني لأفهم هذا القرار وتبعاته من جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكنني سأحاول.
تنويه مبدئي: لستُ فتحاوية، لستُ من أنصار محمود عباس، لستُ من أنصار محمد دحلان، لستُ من أنصار حماس، وأكره كل هذه الأطراف بشكل متساوٍ (عشان نبقى واضحين من أولها)

موظفو السلطة أو (المستنكفون) .. من هم؟

عندما حدث الانقسام المتمثل في انقلاب حركة حماس على الحُكم في قطاع غزة (أو كما تحب حماس أن تسميه "الحسم العسكري") عام 2007، وجهّت الحكومة الفلسطينية "الشرعية" في رام الله أوامرها لموظفيها الذين يعملون في الهيئات والوزارات أن يمتنعوا عن الذهاب لمكاتبهم وأماكن عملهم، كنوع من الإحتجاج العملي على ما قامت به حماس. كانت الأوامر الصادرة إليهم أن لا يتعاونوا بأي شكل مع الكيان المسمى (حكومة حماس) في مقابل أن يستمروا في استلام رواتبهم بالكامل.

هذه الفئة من الموظفين أصبحت تسمى بفئة (المستنكفين) أو (موظفي السلطة/ رام الله).

ربما ظن متخذو هذا القرار بأنهم يضغطون على حماس من خلال تعطيل سير الدوائر الحكومية في الصحة والتعليم والأمن وكافة الدوائر الأخرى، ولكن هيهات. كان رد حماس ببساطة (اخبطوا راسكم في الحيط).. ثم عيّنت من كوادرها ومنتسبيها بُدلاء لكل الوظائف المعطّلة، وأعطتهم رواتب من تمويلها، وهكذا أصبح هناك فئة ثانية تسمى (موظفي حماس).

تخيل الوضع عزيزي القاريء.. لكل وظيفة في هيكلية الوزارات الرسمية في قطاع غزة يوجد عدد (2) موظف تحت مسمى تلك الوظيفة، وكل منهما يتقاضى راتبه من جهة مختلفة:
- الموظف الأصلي يتقاضى راتبه من رام الله مقابل جلوسه في المنزل (مستنكفًا عن العمل)
- الموظف الحمساوي ويتقاضى راتبه من حماس ويقوم بالعمل

ويُذكر أن بعض الموظفين (المستنكفين) في القطاعات المدنية كالتعليم والصحة، قد وافقوا في مرحلة من المراحل أن يعودوا لوظيفتهم الأصلية أو لوظيفة بديلة عنها، أو وافقت حماس على دمجهم في المنظومة الحكومية تحت إدارتها، خاصة أصحاب الكفاءات والخبرات في مجالات الصحة والتعليم، والذين كان وجودهم مؤثرا وغير قابل للاستبدال فعلا.
ويُذكر أيضًا أن البعض ممن عادوا قد فُرضت عليهم وظائف أقل درجة مما كانوا فيه، وأصبحوا مرؤوسين لمدرائهم أبناء التنظيم الحمساوي الذين جلسوا في وظائفهم وأماكنهم الأصلية.

وتزداد المشكلة سوءًا لدى الموظفين العسكريين، أو العاملين سابقا في الهيكلية الأمنية للسلطة الفلسطينية من قطاعات الشرطة أو الأمن الوقائي أوالأمن الوطني (وينتمي أغلبهم لحركة فتح)، ويشكلون النسبة الأكبر من الموظفين المستنكفين. هؤلاء العناصر تم استبدالهم جميعا بعناصر من حركة حماس، ويستحيل دمجهم في الهيكلية الأمنية القائمة حاليًا لأسباب أعتقد انها واضحة للجميع، فيما تم حلّ كيانات أمنية كاملة بوظائفها، ككيان (الأمن الوقائي) الذي لم يعُد موجودًا أصلا في قطاع غزة تحت حكم حركة حماس.

صرخات الغضب

أمضيتُ عدة ساعات من الليلة الماضية أشاهد فيديوهات ردود أفعال الموظفين لحظة استلامهم رواتبهم -أو ما تبقى منها بعد الخصم- من ماكينات الصرف الآلي عند أحد البنوك المركزية في مدينة غزة. غالبيتهم كما قالوا هم من صغار الموظفين والعساكر والضباط العاملين سابقا في القطاع الأمني في السلطة الفلسطينية.

تكرر على لسان الكثير منهم أن رواتبهم الكاملة دون اقتطاع كانت بالكاد تكفيهم وتكفي أولادهم، فما بالكم بعد خصم ثلثها وأكثر، ولاحظت أن الكثيرين ذكروا أنهم يأخذون قروضا من البنك، وبالتالي فهناك نسبة كبيرة من الراتب تُختصم لتسديد تلك القروض، وما تبقى له في النهاية هو مجرد فُتات راتب.


كمثال، أحد الموظفين استلم راتب 712 شيكل (ما يعادل 200$ تقريبا) من أصل 2400 شيكل، بعد خصم قسط القرض البنكي وبعد الخصم الجديد. موظف آخر أصعب حالا، راتبه الأساسي 1200 شيكل، استلم منه 120 شيكل فقط!


أعتقد أن التعاطف واجب عندما يتعرض أي موظف لاقتصاص مصدر رزقه بهذا الشكل.. وصغار الموظفين وأسرهم وعوائلهم هم أول الضحايا.

ولكني مع كل هذا، لديّ جزء يشعر بأن الغالبية من هؤلاء الموظفين (حتى لا أعمم) يتحمّلون جزءا كبيرا من المسئولية عما أصابهم وأصابنا.. دعوني أحاول أن أفكك ما أمكنني من هذه (الشربكة) ولخبطة المشاعر التي أحملها تجاه هذه الظاهرة المسماة (ظاهرة المستنكفين).

عشر سنوات من (الاستنكاف).. حقًا؟

دعونا نتأمل حال الموظف المستنكف في قطاع غزة، الذي التزم بأوامر محمود عباس (ورئيس حكومة رام الله أياً كان)، ووافق أن يتقاضى راتبه شهريًا، وأن يجلس في بيته واضعًا يده على خده، منتظرًا الفرج المتمثل في انتهاء الانقسام، وعودته إلى وظيفته التي استنكف عنها..

تمر السنوات، ولا مصالحة تتم، ولا حماس تتراجع عن موقفها، وعباس لا يبالي بغزة ولا بمن فيها..

ما الذي استفاده الموظف المستنكف من وراء الطاعة؟

ضعوا صغار الموظفين جانبًا، ولنتأمل أحوال شريحة أخرى من المستنكفين، النموذج الذي لم يكُن جالسا -فعليا- في بيته طوال هذه السنوات.. الذي وجد له (شغلة) يسلي بها وقته لقناعته بأن (الإيد البطّالة نجسة)، وهكذا أصبح لديه راتب رام الله الذي لا ينقطع، بجانب العمل الآخر الذي يشتغله على الهامش.
تقول بعض التقارير الصحفية التي عثرت عليها، بأن حماس تمارس نوعًا من التضييق على المستنكفين، لتمنعهم من مزاولة مهن أخرى، وقد تكون هذه التقارير صحيحة، إلا أن الواقع الذي لا يمكن لأحد أن ينكره أن العديد من المستنكفين دخلوا في مشاريع تجارية جانبية خاصة، وعملوا في وظائف غير حكومية، بل أن هناك من كانوا يغادرون البلاد باللي فيها ورواتبهم مازالت تأتيهم من رام الله!

صحيح أن غزة ليست هي البيئة الاستثمارية الرهيبة التي تدرّ الملايين على أصحاب المشاريع التجارية، ولكن دعونا نكون صرحاء مع أنفسنا قليلا، ونعترف بأن هذا الوضع كان مجديًا لنسبة لا بأس بها من الناس.

وهل نتجنى كثيرًا على أنفسنا إن اعتبرنا كل هذا الهراء نوعا من أنواع الفساد؟

ظاهرة المستنكفين.. وإنهاء الإنقسام

عندما شاهدت الصور الواردة من التظاهرة التي أقيمت أمس في غزة، صُدمت من الأعداد الهائلة التي رأيتها. الغضب الذي أراه في وجوههم مبرّر، ولكن أين كانوا طوال هذه السنوات؟ كم من هؤلاء شارك في أي نوع من أنواع الحراك للضغط من أجل إنهاء الإنقسام، الذي هو أساس مشكلتهم؟ يتظاهرون اليوم ضد محمود عباس من أجل الراتب، ولكن أين كان غضبهم في أي موقف يستدعي الغضب من أجل الوطن؟

كل ما يحزنني حقًا أن تخرج هذه الأصوات والجموع الغفيرة المعارضة لمحمود عباس بسبب (الفلوس)، وليس لأي سبب آخر.

(الراتب خط أحمر) كما رفعوه شعارًا، ولكن استمرار الإنقسام وعدم شرعية محمود عباس وبقائه في السلطة رغم انتهاء فترته الرئاسية خط أبيض؟ وماذا عن التنسيق الأمني وملاحقة الشهداء، خط فوشيا؟

لا أريد أن أصدر الأحكام، ولا أريد أن أقسو على أشخاص يناضلون الآن لتدبير قوت أولادهم ومصاريف مدارسهم وعلاجهم ومأكلهم ومسكنهم، وأدعمهم طبعًا في غضبتهم ضد الظلم الذي وقع بهم، لكني أؤمن أن غضبتهم هذه قد تأخرت كثيرًا، وربما لو كانوا قد غضبوا ضد الظلم الذي يقع علينا جميعًا (بدري عن كدة شوية) لربما كانت النتيجة ستكون مختلفة تمامًا اليوم.

وبعد؟

يُقال أن ملف الموظفين وحل مشكلة المستنكفين هو أحد أقوى الأسباب التي تؤدي إلى فشل مساعي المصالحة (للمرة الديشليون) بين حماس وفتح، لأن الملف شائك ومعقد ويمسّ بشكل مباشر حياة شريحة كبيرة جدا من الناس في قطاع غزة، سواء كانوا من فئة المستنكفين أو موظفي حماس.

الانقسام هو السبب الأساسي في هذه المشكلة، وربما، ومع تصاعد صيحات الغضب والاستنكار من جهات رسمية وأفراد وأعضاء في حركة فتح في غزة، ربما يؤدي هذا الحراك إلى حلحلة الأمور بشكل ما على المستوى السياسي.

توقّعي الشخصي أن تتراجع حكومة رامي الحمد الله عن القرار بشكل جزئي أو كامل، فلا أحد يريد لمثل هذا الغضب أن يستمر ويتصاعد في الشارع، ولا يرغب محمود عباس في صعود أسهم شخصية فتحاوية أخرى على حسابه، ولا ترغب حماس في ازدياد الانفلات الأمني أو تفشّي حالات السرقة  والنهب أوالانتحار في المجتمع الغزاوي..

كل الأطراف المحلية كما أرى من مصلحتها أن تنتهي هذه الأزمة بلا خسائر فادحة.

وقد أكون مخطئة ويستمر تنفيذ القرار، وعندها لا يعلم أحد كيف ستكون العواقب.

لننتظر ونرى!

-----------------
مصادر:
بعد خصم 30% من رواتبهم: سخط شديد بين موظفي السلطة في غزة
أول ضحية لـ «جريمة الرواتب» وأقاليم «فتح» تستقيل والموظفون في الشارع
“مجزرة رواتب” المستنكفين في غزة.. رغبات المانحين أوامر
تقليص رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة