البيت التاسع




كنت قد كتبت الخاطرة التالية منذ عدة سنوات ,, بالتحديد بتاريخ 22/8/2005
تذكرته عندما قرأت تدوينة عن العزال ,, وأحببت أن انتهزها فرصة لكي اشارككم بقصتي عن هالموضوع , حيث قمنا بعملية التعزيل ما يقرب من تسع مرات ,, توزعت على الشكل التالي: مرتين في الامارات , مرة في مصر , وست مرات في غزة لوحدها , آخرها من سنتين تقريبا



من المألوف إن كنت فلسطينياً أن تكون قد انتقلت ما بين أكثر من بلد ومكان ,, بصفتك مهاجر , أو منفي , أو مُعار , او "طافش" .. يمكن من الأقل شيوعا أن تكون قد انتقلت ما بين عدة بيوت وانت في بلدك ,, وهذا ما حصل مع أسرتي

انا الآن أكتب من غرفتي الثامنة في حياتي ,, ارتب اغراضي التي تنتقل للمرة التاسعة ,, لتستقر بعد عدة ساعات في البيت التاسع,,
على فكرة ,, من المنعش والمفيد للذاكرة أن تكون كثير التنقل ,, ففي كل مرة اوضب فيها اغراضي المبعثرة هنا وهناك اجد نفسي قد توقفت بالصدفة او عن سبق اصرار وترصد عند اشياء واوراق و"كراكيع" , لكل منها ذكرى عندي ,,

 فتلك زهرة مجففة , اهدتني اياها صديقة في عيد ميلادي الخامس عشر , فجففتها عدة اشهر في كتاب ,, لكي احتفظ بها

وتلك قصقوصة من دفتر رسم قديم ,, كنت أحاول أن ارسم عليها شيئا ما ,, لكن اتضح اني لا اجيد الرسم لكني بخلت ان ارميها ,, من كثرة ما بذلت عليها من مجهودي وألواني

وهنا قطعة ملابس كنت احبها وانا صغيرة ,, احتفظت بها وصممت الا ترميها امي في اكياس التوزيع ,, ليس بخلا ,, ولكن ربما املا ان اعطيها في يوم من الأيام لإبنة , أو لقريبة , أو لإبنة صديقة عزيزة ,,

يااااه ,, ما اكثر ما تحمل الاشياء الصماء من ذكريات تعيدك سنوات في ذاكرتك ,, لأيام تشتاق إليها .. أو ربما تشكر الله على مرورها بسلام

أما أحدث ما سأحمله معي الى البيت الجديد ,, فهي تلك الطابعة الملونة التي جاءت لبيتنا كقطعة من حاسوب جديد ,,تقريبا زائد عن الحاجة ,, اشتراه ابي ليسكت اخي الصغير عن جملة مللناها , ولكن فيها كل الشقاوة والغَلبة اللطيفة .. "ما عناش ولا لعبة نلعبها على هالكمبيوتر الخربان .." كناية عن جهازي القديم , الذي لم يكن "خربان" فعلاً ,, لكن كان متواضع الامكانات بعض الشيء بالنسبة للجيمز التي يطلبها الأخوة الصغار -والكبار- في هذه الايام.


لقد شغل تفكيري طوال الاسبوع الماضي التفكير والتأمل في اسباب انتقالاتنا الكثيرة ,, فوجدتها متنوعة ومختلفة باختلاف الأماكن التي انتقلنا اليها ,, ما بين قسوة الأقارب , أو فرحة الجيران , او الرغبة في "السياحة" إن صح التعبير , او القدر البحت !


في مثل هذه الظروف , تكون أمي دائما هي القائدة والموزعة للأدوار, ودائماً تكون هي صاحبة الطاقة الأكبر فيما بيننا والأكثر حماسا على الانتهاء من العمل اللانهائي في اسرع وقت ممكن

أما ابي فهو من تتعب اعصابه بسرعة , ولكنه يبقى متحاملا على نفسه ويكتم ويكتم ,, الى ان نعرف انه على وشك الانفجار من تعليق غاضب لأحد منا , او صرخة تأوه مكتومة تعبة , أو من احمرار وجهه وتقطب جبينه

لكني اؤكد لكم ان فرحة الانتقال هذه المرة تختلف عن اي مرة اخرى , فنحن متجهون الى بيت العمر ,, كل شيء فيه على هوانا , ولكل منا لمسة فيه أو فكرة في خريطته التي تغيرت اكثر من خمسين مرة!

فعلا سنكون اول من يستخدم كل شيء فيه على خلاف البيوت الثمانية السابقة ,, ستكون اصابعنا هي اول اصابع تضيء الانوار, واول من يفتح الستار , واول من ينظر خلال تلك النافذة الغربية الى غروب شمس اخر النهار

كلي امل ان تكتب لنا السعادة اخيرا ما بين تلك الجدران , بعد انتظار طويل لمكان يرحب بنا ويستقبلنا ببشاشة ومحبة افتقدناها طويلا , في بيوت لنا في كل منها ذكريات مميزة , ولكن غلب عليها احساس دفين بأنها ليست نهاية المطاف ,, كأنها محطات انتظار ,, في طريق وصولنا الى البيت التاسع .


علا عنان - غزة
22 أغسطس 2005