رحلة غزاوية الى القدس–الجزء الثاني

 

رح ابدأ تدوينة اليوم زي ما بعملو في بعض المسلسلات .. في الحلقة السابقة حكيت لكم عن رحلتي الغريبة من مدينة غزة الى القدس المحتلة وتحديدا الحرم المقدسي الشريف والصلاة في المسجد الأقصى.

انتهى الكلام في التدوينة السابقة لعند ما وصلنا لمطعم الامباسادور ..وهو من اشهر مطاعم مدينة القدس .. وكانت بانتظارنا المنسقة الأوروبية لمنح الاتحاد الأوروبي “باتريسيا” واسرتها الصغيرة ..

كان بانتظارنا كذلك مراسلة من راديو أجيال فاتن أبو عيشة ,ومراسل تلفزيون فلسطين نادر بيبرس .. سمعوا أن طالبـَين من غزة استطاعوا أن يصلوا الى القدس .. ويبدو انو الشغلة كانت اقرب لمعجزة عشان يهتموا وييجوا يعملو معانا لقاءات صحفية !

الحديث أمام الكاميرا والمايكروفون كانت عن سبب الزيارة الى القدس .. وكيف خرجنا من غزة .. وعن تجربة الدراسة في اوروبا .. بدا كأن الانجاز الأكبر في حياة احدنا تتلخص في مقدرته على السفر والخروج من القمقم الغزاوي .. وان الانجاز الأعظم هو الوصول الى مدينة القدس .. !

الى هذه الدرجة اصبحنا اغراب عن بعضنا البعض .. تحتوينا فقط اسماً جنسية واحدة .. ؟!

بعد ما عشت لعدة دقائق بتحدث عن نفسي وبعيش دور الطفلة المعجزة .. عرض علينا الاستاذ نادر ان يأخدنا في جولة مميزة في مدينة القدس .. كانت الموافقة اكيدة طبعا .. لكن بعد ما اشترطتُ ان اتناول وجبة عشائي :D ما كنتش اكلت اشي من الصبح :p

وهنا لابد اني اذكر الكرم الشديد الي موجود عند باتريسيا لأنها اصرّت الحاحاً انو العشا يكون عزومة منها .. بجد خجّلتنا ..

بعد العشا .. اتقابلنا (انا وزميلي وباتريسيا) مع المصور والصحفي نادر بيبرس ... وذهبنا معه الى مكتب بالميديا الإعلامي واللي بيطل على احلى منظر ممكن تشوفه بحياتك

حكالنا نادر عن صعوبات الحياة في القدس .. وعن صعوبة العمل بشكل خاص كصحفي مقدسي .. كان بيحكي بمرارة عن منعه من دخول الحرم والصلاة فيه لمدة تزيد عن اربع شهور .. كان بيحكي واحنا شايفين المسجد أمامنا .. بما يشبه حالة فريد الأطرش وهو بيغني: “أدام عينيا وبعيد عليا .. مقسوم لغيري وهو ليا ..”

سألته عن طموحات الناس العاديين من اهل القدس.. الطفل المقدسي لما حدا يسأله “ايش بدك تطلع لما تكبر” ايش بيجاوب؟

قاللي انه الاجابة على هادا السؤال قد تكون رفاهية لبعض الاطفال المقدسيين .. لأن خيارات التعليم ثم العمل في القدس مرتبطة بوضع المدينة الغريب .. لا هو عارف يعتبر نفسه مواطن اسرائيلي .. ولا الاحتلال بيسمح له يتعلم او يشتغل كفلسطيني .. عنجد وضعهم معقد ..

والادهى والامر .. هاداك الاحساس بالمرارة .. وقت ما يتقابل مع حدا فلسطيني من الضفة ويتعامل معه كأنه عميل او خائن لأنو حامل الهوية الاسرائيلية رغما عنه .. !

بجد مش فاهمة ليش هيك بنعمل في حالنا ! فوق ما الاحتلال مفرّق ما بينا لأ احنا كمان نازلين نبعد وننقسم ونشوف حالنا على بعض .. !

أما عن وضع الصحفي المقدسي .. فهو يكاد يقترب او يساوي وضع المحارب .. لأنو بطبيعة عمله لا يستطيع ان يسكت عندما يشاهد الظلم والاستبداد .. ويحاول ان يدافع بنقل الحقيقة .. سواء بالكلمة او بالصورة .. ويجب عليه ان يتحمل التبعات كلها مقابل ذلك ..

وفعلا .. عندما بحثت عن “نادر بيبرس” في جوجل .. لقيت انو اصيب اكتر من مرة في مواجهات مع جنود الاحتلال, لمجرد كونه صحفي, كانت آخرها اصابته برصاصة مطاطية في رجله, شهر اكتوبر 2010 الماضي, خلال مواجهات في حي سلوان مع المستوطنين والجنود الاسرائيليين.

غادرنا مكتب بالميديا .. وبقيت محطة واحدة اخيرة في ذلك المساء الحافل .. حي الشيخ جرّاح ..

الواحد عنجد لما يسمع عن اشي بالاخبار غير لما يشوفه على ارض الواقع.

حي الشيخ جراح موجود شمال البلدة القديمة والحرم المقدسي الشريف, وهو مستهدف من قبل المستوطنين اليهود المتطرفين لاخلاؤه من ساكني العرب الفلسطينيين .. بتتزكروا لما حكيتلكم عن معنى الصمود الحقيقي في شوارع القدس العتيقة .. المعنى هادا مجسّد بشكل واقعي في الـ 28 بيت المهددين بالاخلاء في حي الشيخ جرّاح..

بمجرد ما تدخل على الحي .. بتعرف ان الاستيلاء على البيوت بيبدأ من الزوايا والاماكن المرتفعة .. واحد من البيوت استولى عليه اليهود فعلا ورفعوا فوقه شمعدان .. وكتبوا على الواجهة تبعتوا .. “عاد الابناء الى مكانهم” او اشي زي هيك .. حرامية وبيحللو لنفسهم :@

وبعدين التقينا بالاستاذ نبيل الكرد .. صاحب احد البيوت المستولى عليها ..

رحّب فينا بشدة .. وحمّلنا سلامات ودعوات لغزة واهلها .. وقعد يحكيلنا عن مأساة اسرته وبيته .. كان بيحكي عن الامور القانونية الي اتهوه فيها بانه لا يملك اثبات ملكية لأرضه , وعن تاريخ أجداده الي كانو ساكنين في هادي البقعة .. وكيف المحكمة والشرطة والمستوطنين بيتفننوا في تنغيص حياة اهالي هادا الحي .. تفاصيل كتير كان صعب عليا استوعبها او حتى افهمها .. لكن الشئ الي كان بامكاني احس فيه .. كان نظرة الأسى والدمع الموجود بعيونه وهو بيحكي ..

بتعرفوا .. يعني على قد غزة ما فيها مشاكل .. بتطلع ولا اشي بالمقارنة مع المعاناة والقهر اليومي الي بيعيشوه المقدسيين.

بيت نبيل الكرد الآن مستولى على جزء منه ومغلق بأمر المحكمة, وبيتردد عليه المستوطنين من وقت للتاني .. يقيم معه في البيت اختين ووالدتهم السيدة رفقة الكرد .. اما زوجته وابناؤه فيعيشون في بيت اخر في حي ابعد قليلا عن بؤرة المواجهة ..

اي نوع من الحياة هذا ؟!

ايضا بالبحث عن قصة هذا الرجل وجدت صور لمنزله وعمليه الاستيلاء عليه

 

  

بإمكانكم زيارة الموقع الرسمي للدفاع عن أحياء سلوان والشيخ جراح بالقدس المحتلة للقصص الكاملة والأخبار اليومية من هناك .. فالمأساة مازالت مستمرة ..

بعد شوية كان لازم نمشي .. دعينا لهم ودعوا لنا .. كل منا يظن ان هم الآخر هو الأكبر .. وإن كان كل منا يعيش معاناته الخاصة ..

وبعدين ودّعنا نادر بعد ما قام بتوصيلنا الى بيت باتريسيا .. حيث استضافتنا لتلك الليلة بحيث ننطلق في الصباح الباكر الى رام الله ..

في نهاية اليوم .. لقيت حالي مرهقة لكن غير قادرة على النوم .. ميت ألف فكرة وخاطرة  عن اليوم الطويل وما حدث فيه من مفاجآت .. وما شاهدت فيه وكم من المعلومات عرفتها .. جلست اكتب قليلا حتى ذهبت في النوم العميق ..

يـُتبع ..