قراءة في رواية "بينما ينام العالم"


عندما انتهيت من قراءة هذه الرواية, أحسست أن روحي منهكة وقلبي موجوع, وأصبح الخوف من قِصر عُمر الفرحات يملؤني..

"بينما ينام العالم" هي الترجمة العربية من رواية "Mornings in Jenin" من تأليف الكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى, وترجمة أ. سامية شنان تميمي.

تحكي الرواية قصة عائلة أبو الهيجا, من قرية عين حوض - قضاء حيفا-, وما شهده أفرادها من تهجير ولجوء وفقْد وحروب تلت بعضها بعضاً على مدى أربعة أجيال, منذ نكبة 1948 وحتى عام 2002.
استطاعت الكاتبة أن تصف بمهارة وإحساس مرهف المشاعر الإنسانية والتقلّبات الشخصية التي قد تحدث لأي بشرٍ امتلكوا يوماً ما بيوتاً وأراضٍ وبساتين, ثم في غفلة من الزمان أصبحوا لاجئين ومشردين في الخيام وبيوت الصفيح!
"في محنة تاريخ دفن حياً, سقط العام 1948 في فلسطين من الرزنامة إلى المنفى متوقفاً عن حساب العد السائر للأيام والشهور والسنوات, ليصبح بدلا من ذلك ضبابياً لا نهاية له!"
ليس كتاباً تاريخياً بقدر ما يحكي لك الكتاب عن تأثير التاريخ على حياة الأشخاص الذين عايشوه. يجعلكَ - أنتَ- تعيش التاريخ وتجرّبه بنفسك, وانظر كيف ستشعر عندها!

نعم كنت أتأثر من قبل عندما أقرأ التاريخ, لكني لم أبكِ هكذا على ذكر مذبحة ما كصبرا وشاتيلا كما بكيت عندما عاشت شخصيات على الورق أمام عينيّ, أحببتها وصادقتها ووضعت نفسي في مكانها, ثم شاهدتها تُذبح وتُقتل وتنتهي حياتها هكذا ببساطة. عندها أصبح للتاريخ ألم وغصّة حقيقية في حلقي, شعرت بهما فعلا, ولم يغادرني أحدهما إلى هذه اللحظة.

"في لحظة واحدة, كان إسماعيل ابن الأشهر الستة على صدرها, بين ذراعيها الحانيتين. في اللحظة التالية اختفى إسماعيل. إن لحظة واحدة ليمكنها أن تسحق دماغاً وتغير مجرى الحياة, مجرى التاريخ."
تقاطعت شخصية إسماعيل هنا مع رواية غسّان كنفاني "عائد إلى حيفا", حيث اقتبست منها سوزان أبو الهوى ذلك الخط الدرامي في اختطاف الطفل إسماعيل من يديّ أمه الفلسطينية, لتربيه أم يهودية لم تُرزق بالأطفال. ثم كبُر ليكون جندياً إسرائيلياً يقاتل أخاه دون أن يدري, ويمضي وقت طويل قبل أن يعرف حقيقة الدماء التي يحملها في عروقه.
".. الحقيقة التي لا مفر منها, هي أن الفلسطينيين دفعوا ثمن المحرقة اليهودية. قتل اليهود عائلة أمي, لأن الألمان قتلوا عائلة يولانتا."

تتناوب الكاتبة مع الشخصيات "آمال" و"يوسف" حكاية الحكاية, فلا تشعر بالملل بين الصفحات الـ471. أغلب الفصول كانت مكتوبة على لسان "آمال", وهي ابنة الجيل الثاني من اللاجئين الذين ولدوا في مخيم جنين. عاصرت حرب عام 1967, وأكملت دراستها في الولايات المتحدة, ثم عاشت في لبنان قبيل حرب 1982, وانتهت حياتها أمام صديقتها وابنتها في مذبحة مخيم جنين عام 2002.

وبالرغم من أنني قد قرأت النص مترجمًا , إلا أنه كان نصاً عربيًا بليغًا ورقيقا, واحتوى على اقتباسات من أشعار المتنبي, وجبران خليل, ومحمود درويش. لم أشعر مطلقا بالركاكة أو الضعف اللغوي المعتاد عند ترجمة النصوص من لغة إلى أخرى.

أثناء قراءة الرواية, كنت أتساءل إن كان جوها الكئيب مبالغ فيه أم أن واقعنا وتاريخنا هُما حقاً بهذه الكآبة والمأساوية!
لا توجد مفاجآت هنا, لأنك تعلم مسبقاً بأن النكبة قد حدثت فعلاً, وأن النكسة واقع ملموس, وأن مذبحة صبرا وشاتيلا قد طالت المئات من الأطفال والنساء والرجال الأبرياء, وكذلك مذبحة جنين, إلا أن الجرعة المأساوية كانت مكثفة لتحدث كل هذه المصائب لأبناء عائلة فلسطينية واحدة! أو ربما يكون حقاً هذا هو الواقع؟!

لحظات البهجة لي -كقارئة- كانت معدودة.

كل من أحبوا فقدوا أحباءهم.

أغلب أبناء العائلة ماتوا شهداء.

أتعلمون أنني عثرت أثناء تحضيري لهذه التدوينة على خبر استشهاد خمسة من عائلة أبو الهيجا, اللاجئين الفلسطينيين من قرية عين حوض, على يد جيش بشار الأسد في مخيم اليرموك بسوريا, فقط منذ عدة أيام؟!

إنها مأساة ممتدة إذن ..


هل أنصح بقراءة هذه الرواية؟

نعم, بالتأكيد. وبرغم مأساويته إلا أن تاريخنا لا يجب أن يُنسى. لابد أن نستمر بالكتابة والقراءة والتصوير والحكي والغناء عن فلسطين.. ذلك الوطن الذي كان, والذي سيعود يوما ما. حتى وإن كان من المستحيل أن يعود كما كان..




فيديو حديث من قرية عين حوض