قراءة في كتاب "رأيتُ رام الله"



انتهيت من مدة قريبة من قراءة كتاب "رأيت رام الله" للكاتب والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي

كتاب أقرب ما يكون لمحاكاة الذات , مذكرات شخصية أكثر منها رواية تخيلية. كتاب استطعت الاندماج فيه ومعه على أكثر من مستوى. كيف لا, وهو يتحدث عن حياة مغترب يكتب لأول مرة بعد عودته إلى وطنه الذي غاب عنه لأكثر من ثلاثين سنة.

قرأت وكأن المتحدث هو والدي, الذي كان مبعَداً هو الآخر عن فلسطين ,, وغابَ أعواماً كثيرة متتالية ومتفرقة, قبل أن يتمكن من العودة بـتصريح زيارة بعد أوسلو عام 1995, كغيره من العائدين الذين يحملون رقم 4 في بداية رقم هوّياتِهم.

ألم أخبركم من قبل عن قصة والدي؟

دعوني أخبركم عن الكتاب أولا, ثم سأحكي لكم حكاية والدي مع الغربة في تدوينة أخرى إن شاء الله


يتميز كتاب "رأيتُ رام الله" بالصدق ومكاشفة النفس بعيوبها .. كتاب "ما بضحكش عليك"

لا يصور الفلسطينيين بالشكل الأسطوري المعتاد عنهم في الأدب العربي أو في أذهان العرب

يصورهم على حقيقتهم, بقوتهم وتحديهم,, وكذلك بكل ما أمرَضهم به الاحتلال.. فلا تبقى الشعوب على حالها حينما تكون محتلّة, ولا يبقى الناس على سجيتهم النقية إذا تم حرمانهم من حريتهم وحقوقهم لفترة طويلة.

وهذا ما أحببته في الكتاب .. فلطالما كرهت الأسلوب الشعري المبالٍغ في الأسطورية عن فلسطينيتنا, وعن ارتباطنا بهذا البلد .. والشخصية الفولاذية التي تصور الفلسطيني إنساناً فولاذياً لا يحزن ولا يتأثر ولا يبكي ويكاد لا يشعُر .. إلا بالسياسة!

يعطي الكتاب للقارئ -إن كان لا يعلم شيئاً عن الوضع الداخلي الفلسطيني- صورةً أقرب للواقعية ذات الملمس الإنساني, صورة قابلة للتصديق, بكل ما فيها من تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية, استحالت أن تتواجد في أي مكان آخر على وجه الأرض

يُصوّر له قرى الضفة الغربية والحياة الاجتماعية فيها .. ويمزج التواريخ الجافة بالقصص الشخصية

طالما ظننتُ أن سرد الحقائق التاريخية لا يَترك أثراً في الذاكرة أو في النفس إلا عند ربطها بموقف إنساني ما, أو بسماعك رواية أصحابها وقصصهم الشخصية التي ترافقت مع تلك الأحداث التاريخية

عندما كنتُ طفلة صغيرة, كنا نسافر ونتنقل ويكثر ترحالنا بين مدينة العين في الإمارات, وبين حي المنيل في القاهرة, وبين "دار سيدي" في غزة

إلا أن أبي كان مبعَداً لا يحمل الهوية الفلسطينية, ولا يستطيع دخول فلسطين, وكانت أمي "تتدبس" بعناء قضائنا إجازة الصيف في غزة  بدون وجود والدي معنا ..

كنتُ أعاني من حيرة شديدة عندما يرافقنا أبي طوال الطريق الطويلة في سيناء من القاهرة إلى رفح .. ويصل بنا إلى بوابة المعبر .. ثم يتركنا ويذهب بعيدا ... عائداً إلى القاهرة !

لا أذكر الإجابة التي كانت تقولها أمي لتشرح لنا ذلك اللغز و الذي جعله لا يستطيع الدخول معنا إلى غزة كل مرة .. لكنني تعلمتُ عاماً بعد عاماً معنى الحدود وجندي الاحتلال ومعبر رفح من خلال تلك التجربة التي كانت تتكرر معنا كل إجازة صيفية

فعلاَ ..  تترسخ الحقائق التاريخية عند ربطها بقصصنا الشخصية

-----------------------

في كتاب "رأيتُ رام الله" توجد العديد من العبارات التي جعلتني استوقف عندها كثيراً .. ربما لا يسعني أن أقتبس الكتاب كله .. ولذلك سأكتفي ببعض العبارات -التي ستُظلم كثيرا عندما يتم اقتطاعها من سياقها - وليسمح لي استاذ مريد بربطها ببعض الخواطر والذكريات التي مررت بها في حياتي وحياة أسرتي.

- بلادي تحملني.
فلسطين في هذه اللحظة ليست الخريطة الذهبية المعلقة بسلسال ذهبي يزين أعناق النساء في المنافي. كنت أتساءل كلما رأيت الخريطة تحيط بأعناقهن عمّا إذا كانت المواطنة الكندية أو النرويجية أو الصينية تعلق خريطة بلدها على نحرها كما تفعل نساؤنا!
أتذكر جيداً رحلات عودتنا كل عام (قبل اتفاقية اوسلو) في الإجازة الصيفية إلى فلسطين عبر معبر رفح. لم أكن أتجاوز السبع أو ثمان سنوات, ولكنني كنت أحرص وألح ّ على أمي أن تلبسني سلسالي الذهبي وبه "تعليقة" على شكل شجرة زيتون ومنقوش عليها علم فلسطين الملون. كنت أريد أن أمر بنقطة التفتيش وأن يرى تلك التعليقة الجنود الواقفون .. كان بدي أغيظهم لما يشوفوني لابسة علم فلسطين !

- خلَص! الاحتلال الطويل خلق منا أجيالاً عليها أن تحب الحبيب المجهول, النائي, العسير, المحاط بالحراسة وبالأسوار وبالرؤوس النووية وبالرعب الأملس.
الاحتلال الطويل استطاع أن يحوّلنا من "أبناء فلسطين" إلى أبناء "فكرة فلسطين".
أتساءل دوماً سؤالا مشابها: أنحب فلسطين الفكرة والأسطورة والحلم السليب, أكثر من حبنا للبقعة التي ولدنا فيها ونشأنا فيها وعشنا فيها أعمارنا كلها؟ عندما نكون مغتربين, هل نحلم بالعودة إلى فلسطين لأنها "محتلة" أم لأنها "فلسطين"؟

- أنا لا أعيش في المكان, أنا أعيش في الوقت, في مكوناتي النفسية. أعيش في حساسيتي الخاصة بي.
أنا ابن جبل واستقرار, ومنذ تذكّر يهود القرن العشرين كتابهم المقدس, أصابني الرحيل البدويّ, وما أنا ببدويّ!

- والحب عند أمي شُغل. انتباه, أن تنتبه لمن تحب, أن تتعب من أجله. أن تصنع بيديها وبجهدها كل ما يمكنها أن تصنعه, من تدبير شئون اليوم إلى تدبير شئون العمر.

- كلما رأيت بعض المحترفات الحوبيات والواحدة منهن تلوك الجمل الثورية وتسمّعها تسميعاً, ازددتُ إيمانا بثورة العمل الذي تنجزة أمهاتنا في حياتنا اليومية دون ضجة ودون تنظير.

- الحروب الطويلة تولّد السأم. ذات ليلة (أثناء حرب بيروت), تباريت مع رسمي أبوعلي في تعداد كل المرادفات الشعبية في اللهجات الفلسطينية المختلفة لكلمة "صفعه". كانت الكهرباء مقطوعة طبعا, وكل منا في سريره يخاطب الآخر دون أن يراه....
كنا قد أتينا في تلك الليلة على جَبَدُه وقَهَدُه ورَزَعُه ولاحُه وشَفٌّه وهَفُه وسَنَدُه ولفُه ولطُّه ورَنُّه وسَفقُه وندفُه وزاحُه وهَبَدُه ورَقَعُه ولَخُّه وفقعُه ولهفُه وطَجُّه ومَزَعُه وشمطُه وناوَلُه الخ.
لم أكن أعرف معظم هذه المرادفات لفعل الضرب بالكف!

- ... غير أن قرائن أخرى تساهم في إثارة استفزاز المواطنين العاديين من مسؤولي السلطة الوليدة. نوعية البيوت التي يشتريها الوزراء والوكلاء والمدراء العامّون أو حتى تلك التي يستأجرونها بأسعار عالية. السيارات الفخمة التي يركبونها. ومظاهر سيادتهم الشخصية التي لا تتناسب مع غياب سيادتهم الوطنية ولا مع مظهر سيادة الفلسطينيين عموما ضمن ترتيبات أوسلو العجيبة.
كتب مريد البرغوثي هذا النص في 1997, واليوم في 2011, ينبغي عليه أن يضرب هذا التوصيف ×2!
واحد في الضفة .. وواحد في غزة!

- للفلسطيني مباهجه أيضا, له مسراته إلى جانب أحزانه, له نقائض الحياة المدهشة لأنه كائن حيّ, قبل أن يكون ابن نشرة أخبار الساعة الثامنة !

- لا يعرف العالم من القدس إلا قوة الرمز, قبة الصخرة تحديداً هي التي تراها العين فترى القدس وتكتفي. القدس الديانات, القدس السياسة, القدس الصراع هي قدس العالم. لكن العالم ليس معنياً بقدسنا, قدس الناس.

- الآن لا نستطيع أن نتذمر منها كما يتذمر الناس من مدنهم وعواصمهم المملة المرهقة.
أسوأ ما في المدن المحتلة أن أبناءها لا يستطيعون السخرية منها. من يستطيع أن يسخر من مدينة القدس؟

- منذ الهزيمة في حزيران 1967 لم يعد ممكنا لي أن أرى رقم الـ 67 هذا إلا مرتبطاً بالهزيمة ... لا أتطيّر منه ولا أتشاءم حين أراه في صوره المتنوعة, لكنني ألاحظه بشكل خاص, أسجل ذلك لنفسي فقط.
وانا كمان !!


وعن لحظة ما بعد خطاب عبدالناصر في 9 يونيو 1967, يقول مريد البرغوثي:
- .... قفزت فوراّ من الصالة الى الباب الي الشارع. زجدت نفسي واحدا من ملايين البشر الذين قفزوا في نفس اللحظة الى عتمة الشوارع وعتمة المستقبل ....
قضينا الليل بطوله في الشوارع وعلى الجسور فوق نهر النيل كأننا نطوف بلا هدف محدد أو كأننا نطوف جميعا لنفس الهدف.
والعجيب في الأمر, أو ربما ما وجدته أنا وحدي عجيباً, أنني حين سألت والدي عن ذكرياته عن ذلك اليوم بالتحديد, يوم النكسة, والذي كان قد عاشه هو الآخر في القاهرة لدراسته الجامعية في جامعة عين شمس في حينها, وجدته يصف لي رد فعله هو أيضا بنفس الوصف الذي ذكره أ/مريد..


-----------------------


في الختام, أؤكد مجددا على أن اقتباسي للعبارات السابقة لا تغني عن قراءة الكتاب والإبحار فيه بكثير من التأمل والتفكير, ولست أقوم بكتابة هذه التدوينة من أجل الدعاية لهذا الكتاب, ولكن تأكد عزيزتي القارئ أن اختيارك لقضاء بعض الوقت مع هذا الكتاب سيكون أحد القرارات التي ستشكر نفسك على اتخاذها.

أما أنتم أعزائي من تسكنون في غزة التي يبدو وكأنها تمشي بخط متواز مع رام الله (الخطوط المتوازية لا تتلاقى أبدا!) فهذه فرصتكم لإحناء هذا الخط قليلا, علّـكم تروْن رام الله على الورق, ومن يدري .. ففي هذا الزمن, تحطمت كلمة المستحيل!