رأيتُ مريد

كنتُ في الطريق من أبوظبي إلى دبي، يقود زوجي السيارة، أجلس بجواره وإلى جانبي (أو على رجليّ) ابني، رافضا -كعادته- أن يجلس في كرسي الأطفال الموجود في المقعد الخلفيّ..
اعتمدنا على جهاز (الجي بي إس) ليوصلنا إلى العنوان المكتوب في دعوة حضور الندوة(*) كما نُشرت على الفيسبوك.. الطريق تستغرق ساعة وأربعين دقيقة، كنت سأصل في الوقت المحدّد، ووصلتُ فعلا ، ولكن إلى مكان غريب لم تبدُ عليه أي علامة لوجود شيء مهم يحدث فيه، بمكالمة هاتفية لصديقتي التي أعلم أنها هناك، رولا المزيني (مؤسسة نادي كتاب "استراحة سيدات" في الإمارات)، تبيّن أن العنوان خاطيء، وأن المكان الصحيح في الناحية الأخرى من المدينة.

كان يجب أن أعلم أنه في أحيان كثيرة يكون البشر أدق وأكثر إفادة من الأجهزة.

وصلتُ الندوة متأخرة، جلست في آخر القاعة وأمامي صفوف من المقاعد الممتلئة بالحاضرين، أن تصل متأخرًا خيرٌ من ألا تصل أبدًا، تقول الحكمة.

يجلس على المنصة اثنان من أيقونات الأدب الفلسطيني المعاصر، الأستاذ مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم البرغوثي، تتوسطهما محاورة ذات لكنة لبنانية، لغتها وطريقتها في إدارة النقاش (أو ما تمكنتُ من اللحاق به) أعجبتني، وعرفتُ فيما بعد أنها الشاعرة اللبنانية زينة هاشم بك.





كان النقاش في تلك اللحطة يدور عن الحيرة التي تنتاب أغلب العرب، ما بين العيش في ذكريات الماضي والتمسك بالتراث من ناحية، ومواكبة أحداث الحاضر والإعداد للمستقبل من ناحية أخرى. الشاعران يتناوبان على قول عبارات حكيمة قوية وتستدعي التصفيق من الجمهور. كان بودّي أن أسجل ما قالوه حرفا بحرف، لكن انبهاري ورهبتي في تلك اللحظة منعاني من تسجيل أي شيء أو كتابته في الدفتر الذي كان بحوزتي من أجل هذا الغرض تحديدًا!




على كل حال انتهى وقت الندوة، وأعلنوا أن الضيفين سيتوجّها لمنطقة التواقيع، وحيث سنتمكن من الحصول على توقيعاتهم على نسخنا من كتبهم..
توجّهت إلى هناك، لأجد في غضون دقائق أمام طاولتهما طابورا طويلا ممتدا، لا أعرف كيف تكوّن بهذه السرعة!
وقفتُ في الطابور.. حيث وزّع علينا الشباب المنظمون قصاصات من الورق لكي نكتب عليها أسامينا فتكون أسهل وأسرع عندما يصل دور كل منا إلى طاولة التوقيع..

ثم تنتابني حيرة كبيرة، فالنسخ التي أمتلكها من (رأيتُ رام الله) و(ولدتُ هناك ولدتُ هنا)لمريد و(يا مصر هانت وبانت) لتميم كنتُ قرأتها منذ زمن وتركتها في غزة، ولم يكن معي إلا نسخة من رواية (الطنطورية) للغائبة الحاضرة رضوى عاشور..
لقد رأيتُ ردة فعلهما في الندوة، عندما جاء ذكر السيدة الراحلة في سؤال وجهته إحدى الحاضرات إليهما في فقرة أسئلة الجمهور.. تميم اعتذر عن الحديث عنها ارتجالا، ومريد أخفض رأسه ألما وأسفا. لا أريد أن أسبب لهما الحزن ومعي نسخة من روايتها، ثم أطلب منهما توقيعا عليها!

قررتُ أن أعيد الرواية إلى حقيبتي.. و أخرجتُ الدفتر الذي بحوزتي، وكتبت على قصاصة الورق (ديوان غزة).. سأطلب من أستاذ مريد أن يوجه رسالة للديوان.

كنتُ قد أحضرتُ معي أيضا نسخة من كتابي الجديد (ثلاث ليال في غرفة الترحيل)، وأيضا احترت إن كان من الذوق أن أعطيه لأستاذ مريد أم لا.. يعني كل الناس واقفون بنسخ من تأليف آل البرغوثي، وأنا واقفة بنسخة من كتابي ودفتر فارغ!
استجمعتُ ما أمكنني من الثقة، وكتبت إهداءً لأستاذ مريد على الصفحة الأولى من كتابي: أعذرني، فما هي إلا محاولتي الأولى في الكتابة، وأتمنى أن يحوز على إعجابك، مع الحب والتقدير.

دوري على وشك أن يصل.



يتابعني أستاذ مريد على تويتر منذ عدة سنوات (وكذلك يتابعني تميم)، ويقوم بإعادة تغريد بعض ما أكتبه أحيانًا، خاصة لو كان متعلقا بأنشطة (ديوان غزة).. لكنني لم أتوقع أن يتعرّف عليّ أو يتذكرني.

قلت له اسمي، فقال لي بابتسامة واسعة: أهلااااا وأخيرا تقابلنا!


لحظة واحدة.. الأستاذ عرفني 😃😃😃

ربما يكون قد تذكرني بسبب مشاركتي عبر الفيديو في مؤتمر تكريمي لرضوى عاشور عام 2014 بحضورها وفي حياتها، ثم في فيديو آخر في حفل لتأبينها عام 2015 بعد الرحيل..
لا أدري حقا إن كان قد تذكرني بسبب ذلك، المهم أن الأستاذ يعرفني!

تلعثمت طبعًا ولا أتذكر ما الذي قلته له تحديدًا، فقط كنت في غاية السعادة وعدم التصديق.. طلبت منه أن يكتب كلمة للديوان، فكتبها على مهل وباهتمام شديد، لا يعكس إلا رغبته في صياغة كلمات صادقة تعبر عن إحساس حقيقي، وليس مجرد (ديباجة) اعتاد على كتابتها في حفلة توقيع.. لتخرج منه حاملة كل هذا الجمال:






وعندما قدمت إليه نسخة كتابي، يملؤني الخجل، ابتسم ووضع يده على رأسه علامةً للتقدير.. قلت له عن شعوري بعدم الثقة بمستوى كتابتي، فقال لي: بالعكس هادا الكتاب بيخليني سعيد، واعرفي أن اللي بتكتبيه اليوم مهم لأبناء المستقبل.. بس ديري بالك على حالك.

تصورت معه، وصافحته، ثم غادرت المكان، أحلق بجناح من السعادة المطلقة.




لديّ أمل في أن يتجدد اللقاء مرة أخرى، لأن مرة واحدة في حضرة مريد البرغوثي لا تكفي!

---------
(*) أقيمت الندوة ضمن فعاليات مهرجان طيران الإمارات للآداب في مدينة دبي.