كيف أثرت الحروب الكبرى على مسار الموضة؟


* هذا المقال نُشر أولا في موقع ساسة بوست

-------

كثيرا ما يستمد مصممو الأزياء إلهامهم من العالم المحيط بهم, وما يمر به الناس من ظروف تستدعي حدوث تغييرات دراماتيكية في دواليب ملابسهم. دعونا نستكشف التأثيرات التي تركتها الحروب العالمية الكبرى على مسار الموضة خلال القرن العشرين والواحد والعشرين.

الحرب العالمية الأولى (1914-1918)


قبل فترة الحرب, تميزت أزياء النساء بالطبقات المتعددة والفساتين المبهجة ذات الزركشة. وما أن بدأت الحرب حتى بدأ مسار الأزياء بتأثر بشكل كبير ودراماتيكي. فبسبب الحرب وتوجه الرجال لساحات المعركة, فكانت النساء تحل محلهم في أماكن العمل المختلفة كالمصانع والشركات والحقول. وكانت بعض هذه الأعمال تستدعي ارتداء زي خاص يتضمن البنطال القطني, وهكذا بدأت النساء في ارتدائه لأول مرة.
كما أثرت الحرب بشدة على توفر المواد اللازمة لتصنيع الملابس المدنية, حيث كانت أغلب هذه المواد تُخصص للإستخدام العسكري كأولوية, وهكذا اتجه مصممو الأزياء للإقتصاد في الأقمشة اللازمة لحياكة ملابس النساء, مما أدى إلى استبدال الفساتين الطويلة ذات الطبقات المتعددة إلى التنانير المستقيمة والأقصر من حيث الطول.
ويُذكر أن مدينة باريس -التي كانت تعتبر عاصمة الموضة في العالم سابقا- قد تراجعت عن هذه المكانة أثناء الحرب, لتحل محلها مدينة نيويورك التي صعدت كعاصمة جديدة لبيوت الأزياء وصناعة الموضة في العالم, التي مزجت بين الأنثوية وسهولة الحركة في نفس الوقت.


الحرب العالمية الثانية (1939-1945)

كما حدث في الحرب العالمية الأولى, فقد أعطيت الأولوية لاستهلاك المواد الخام والأقمشة للنواحي العسكرية, فقد كانت تصنع ملابس الجنود وأغطيتهم من الصوف, وكانت بعض المستلزمات العسكرية تصنع من النايلون, ومنع استخدام هذه المواد للمدنيين, كما مُنع استيراد الحرير الياباني بعد الهجوم على ميناء بيرل هاربور, وهكذا تُركت للنساء مواد خام أقل لكي يصنعوا منها ملابسن.
حتى أن الألوان المتاحة في الأقمشة أصبحت أقل, بسبب توفير المواد الكيميائية التي تدخل في عملية الصباغة للنواحي العسكرية كذلك. وقد أصدر مجلس الإنتاج الحربي الأمريكي في ذلك الوقت تعليمات صارمة بخصوص كمية الأقمشة والمواصفات المسموح بها في تصنيع ملابس المدنيين. وقد أثرت هذه التوجيهات في تقصير التنانير, وجعل البنطلون البديل الأمثل للنساء العاملات.


الجدير بالذكر أنه كان من الشائع في تلك الأيام أن يعاد تدوير الملابس الرجالية التي تركها الجنود من خلفهم, وكانت الملصقات الإعلانية تدعو النساء للإستفادة من هذه الملابس وتغيير مقاساتها لتناسب أجسامهن.
وأيضا كما حدث في الحرب العالمية الأولى, انتقلت الصدارة في عالم الأزياء من مدينة باريس إلى مدينة نيويورك.


حرب فيتنام (1956-1975)

بدأ يظهر تأثير هذه الحرب في المجتمع الأمريكي في فترة الستينات, وامتدّ هذا التأثير من الجانب الإجتماعي والإقتصادي ليشمل الموسيقى والفنون والأزياء. وقد تجمّعت معظم مظاهر هذا التأثير فيما يسمى حركة "الهيبيز". وتميز أتباع هذه الحركة برفض التيار الإجتماعي المحافظ ودافعوا عن التحرر وحقوق المرأة والأقليات. وقد دعت الحركات الطلابية في الجامعات لمناهضة حرب فيتنام, والدعوة إلى السلام ونبذ العنف.
وقد انعكس فكر هذه الحركة في الموضة, حيث تميزت ملابسهم الفضفاضة –رجالا ونساءً- بالألوان الزاهية التي تكسوها نقوش النباتات والزهور, رمز الحياة والسلام لديهم, كما كان من الشائع لدى الشباب إطالة شعورهم وسوالفهم, كرمز لمناهضتهم للمظهر العام للجنود ذوي الشعر القصير والثياب المهندمة.
كما تميزت هذه الحقبة في رغبة الشباب في استكشاف الحضارات الأخرى, وأدى ذلك إلى تأثر الأزياء بالأنماط الغريبة والقريبة للنمط الشرقي أو الأفريقي.



حرب العراق (2003-2011)

قد تكون حرب العراق من أقل الحروب تأثيرا في حركة الموضة العالمية, وقد يكون ذلك بسبب إثارتها للجدل, وعدم الإجماع على جدواها من عدمه.
ومن المظاهر التي يمكن ملاحظتها على حركة التصميمات التي واكبت فترة الحرب, انتشار التصاميم ذات الطابع العسكري والمتأثر بزي الجنود من حيث الألوان والقصّات, ويُفسّر ذلك بإبراز الإحساس الوطني والمساند لقوات الجيش الأمريكي لدى المدنيين. إلا أن هذا التأثير لم يستمر عندما بدأت تتصاعد الأصوات المعارضة للحرب داخل الولايات المتحدة وخارجها, التي أدت ببعض المصممين الأمريكيين إلى تخفيف استخدام ألوان العلم الأمريكي في الأزياء المعدّة للتصدير نحو أوروبا وبلاد العالم الأخرى.


فترات ما بعد الحروب

نستطيع أن نجمع على وجود تأثير مباشر لفترات الحروب على أنماط الأزياء والملابس خلال تلك الفترات. وعادةً ما تبحث الشعوب عن التغيير مباشرة بعد انقضاء الفترات العصيبة, فيلجأون لتعويض ما فاتهم والتخلص من آثار الحرب التي انطبعت على أزيائهم.
فقد لوحظ أنه بعد انقضاء الحربين العالميتين الأولى والثانية أن تصاميم ملابس السيدات قد عادت للفخامة والأنثوية تعويضًا للفترة التي اضطروا فيها للتقشف وارتداء ملابس شبيهة بملابس الرجال.
وهكذا الحال في العصر الحديث, فحين تنتهي الأزمات والحروب الكبرى تتجه الأزياء إلى الألوان الزاهية والمشرقة, كمحاولة للتفاؤل وللتخلص من الضغوط النفسية التي سببتها الحرب.