ماذا يقول الفلسطينيون عن فيلم "عُمر"؟


*هذا المقال نُشر أولا على موقع ساسة بوست
---------------------


في المشهد الأول يطل عليك الجدار الأسمنتي البائس المسمى بالجدار الفاصل, أو الجدار العازل, أو جدار الضم والتوسع (اختر التسمية الأنسب لك), يحاول أن يتسلقه باستماتة شاب فلسطيني ليوصل رسالة إلى حبيبته على الجانب الآخر من الجدار.
تدور أحداث الفيلم حول "عُمر" الخبّاز الشاب ورفاقه المنتمين لإحدى جماعات المقاومة المسلّحة في الضفة الغربية, ثم يتم اعتقاله ويجري ابتزازه من الضابط الإسرائيلي مستغلا العلاقة العاطفية التي تربطه بـ "نادية", شقيقة صديقه.

وبالرغم من الحفاوة التي استُقبل بها هذا الفيلم ومخرجه هاني أبو أسعد خارج فلسطين, فقد نال جائزة المُهر الذهبي كأفضل فيلم وأفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي, ورُشّح لجائزة الأوسكار عن فئة الأفلام الأجنبية, إلا أن آراء المشاهدين الفلسطينيين عنه كانت متباينة ما بين مَن يعتبره نقلة نوعية للسينما الفلسطينية, ومن يرى أنه قد أساء بشكل كبير للقضية الفلسطينية.
فمن ناحية, يرى البعض أن الفيلم لم يعبّر عن الواقعية الإنسانية ويومياتهم وواقعهم, بل أنه اتّبع القالب الهوليودي للأفلام من حيث تصوير المشاهد والمطاردات ومناظر التعذيب في المعتقل الإسرائيلي وأهمية الخط العاطفي وعلاقة الحب في الفيلم. هذا ما قالته ربى عوايص, مساعدة البحث والتدريس في جامعة النجاح الوطنية, التي عبّرت عن استيائها من تصوير الفلسطيني المقاوم على أنه من السهل أن يقع فريسة التعاون والتخابر لحساب إسرائيل في سبيل مجرد نزوة أو علاقة حب. وأضافت أن الشخصيات المحيطة بالبطل خاصة من أفراد عائلته لم يكن لهم تأثير واضح في حياته أو في مجريات الأحداث في الفيلم, بعكس ما هو معروف عن المجتمع الفلسطيني المتماسك أسريًا واجتماعيًا.

وفي نفس السياق, يرى الصحفي عمر زين الدين أن الفيلم قد روّج لظاهرة العمالة مع الإحتلال دون أن يضع للمشاهد الخلفية الكافية لتفهم الظروف التي قد تدفع الفلسطيني لذلك, مما قد يعطي صورة سلبية عن المقاومة وعن الفلسطينيين ككل. ويتفق معه في ذلك المدون أحمد لولو, إذ يرى أن الفيلم يقدّم صورة مفترضة لحال جماعات المقاومة في فلسطين, وصوّرها بشكل صبياني عشوائي, مبني على الفردية وليس به تنظيم واضح, بالإضافة إلى سهولة اختراقه وتدني أخلاق المنتسبين إليه, وهذه كلها صفات تسئ للمقاومة بشكل كامل.

أما عن الجوانب الإجتماعية, فقد اعترض الكثير من الفلسطينيين على الطريقة التي صوّر بها الفيلم المجتمع الفلسطيني. فقد عبّرت طالبة الهندسة إيمان صبرة عن هذا المعنى حيث قالت أن المجتمع الفلسطيني رغم أنه يجمع في قلبه ديانات مختلفة و شرائح متباينة, إلا أنه مجتمع محافظ في معظمه وهذا تمّ تصوير نقيضه في كثير من المشاهد . ويتفق معها مصطفى العبادلة, طالب التصميم الداخلي والديكور, الذي اعترض على وجود بعض الألفاظ الغير مناسبة والتي لا تعكس واقع الحياة في فلسطين, ويرى أن المخرج كان يجدر به أن ينتقي كلمات أخرى حتى لا تنعكس سلبياً على الشعب الفلسطيني. كما انتقد مصطفى الطريقة التي انتهى بها الفيلم, التي يرى أنها توحي للمشاهد بوجود جزء آخر لاستكمال الأحداث وتوضيح الفكرة بشكل أكبر.

إلا أنه وبالرغم من هذه الانتقادات فقد اتفقت الآراء على جودة الفيلم من حيث الإخراج والتصوير, مع وجود بعض الملاحظات على أداء الممثلين واللهجة المستخدمة في الحوار. وهذا بحد ذاته يعتبر إضافة للسينما الفلسطينية وتأكيد على إمكانية الإبداع حتى مع الظروف الصعبة وقلة الامكانيات.

وعلى الجانب الآخر من المنتقدين, اعتبر آخرون أن الفيلم يروي قصة واقعية, تتمثل ابتداءً بمعاناة الناس (وإن كانت معاناة رمزية) بسبب وجود الجدار الفاصل الذي يقسم أراضي الضفة الغربية ويجعل من التواصل الإنساني شيئا صعبا, ويرى المقداد مقداد الطالب في كلية الحقوق, أن قصة المقاوم العاشق لا تضر أبدًا بصورة المقاومة, فالفلسطيني بالتأكيد يقاوم الاحتلال ويكافح من أجل أرضه لكنه لم ينسَ الحياة وهي نفسها التي تحتوي الحب فيها.

فيما يرى محمد مهنا, المهتم بالسينما الفلسطينية, أن نقطة القوة في الفيلم هي تناوله لقضية العملاء التي تعتبر قضية حساسة في المجتمع الفلسطيني ولم يجرؤ أحد على التطرق لها في عمل سينمائي من قبل, واستطاع المخرج هاني أبو أسعد أن يعرض التحديات التي تواجه الشباب المعتقلين لدى الاحتلال الإسرائيلي والضغوطات التي يتعرضون لها من النواحي المعنوية, المادية, العاطفية والوطنية. كما أثنى على وجود الحب في حياة بطل الفيلم, لافتًا أن هذا الشعور الإنساني هو الشئ الوحيد الذي يمنح الفلسطينيين الصبرعلى ظلم الاحتلال الإسرائيلي.

ويتفق مع هذا الرأي الناشط الشبابي بلال ريّان, ويعتقد أن المخطئ الأول في قضية العمالة هو الإحتلال الذي لا يقيم وزنا للمشاعر ولا للعلاقات الإنسانية, ويعتبر أن العميل مهما تورط في تعاونه مع المحتل, إلا أنه يبقى ضحية ويجب أن يتم التعامل معه بصمت وذكاء وحزم. أما عن نهاية الفيلم, فيقول بلال أنها قد حدثت بالفعل مع الشهيد ماهر أبو سرور بقتله ضابط المخابرات الإسرائيلي حاييم ناهماني, والشهيد عبد المنعم أبو حميد بقتله الضابط نوعيم كوهين في مدينة رام الله في بداية التسعينات، مع اختلاف جوهري حيث لم يرتبط الشهيدان بالمحتل إلا ظاهريًا من أجل الإيقاع به.

وتجدر الإشارة إلى أن الإختلاف السياسي والمعيشي بين واقعيْ الضفة الغربية وقطاع غزة, بالإضافة إلى الانفصال الجغرافي بينهما, كان عاملا مؤثرا جذَب انتباه المشاهد الفلسطيني المقيم في غزة. وهذا ما عبّرت عنه الشاعرة الشابة أميرة عنان, حيث تقول أن الفيلم قد منحها الفرصة للتعرف على واقع الحياة في الضفة الغربية من حيث الحواجز والمواجهة المباشرة مع قوات الإحتلال بشكل يومي. كل هذا قد شجّع الكثيرين من أهل غزة لمشاهدة الفيلم وأعطاهم سببا إضافيا للإهتمام بمشاهدته.

وهنا يبقى السؤال, هل ينتظر المشاهد الفلسطيني من عمل فني واحد أن يفسّر ويشرح القضية الفلسطينية بتعقيداتها وخباياها خلال دقائقه المعدودة؟ أم أن الفيلم لا يعدو كونه عمل فني موّجه للخارج ولا يخاطب المجتمع المحلي بالدرجة الأولى؟